التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٠ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
و يتلخّص هذا الوجه في صياغة القرآن البارعة، جمعا بين فخامة المعنى و إناقة اللفظ، و هما كالمتنافرين- كما نبّه عليه البستي- و قد استسهله القرآن في روعة باهرة.
*** الوجه الثاني- من وجوه إعجاز القرآن- جانب أسلوبه البديع و سبكه الجديد على العرب. فيه مزايا أنواع الكلام ما يجمع بين طلاقة النثر و إناقة الشعر و جزالة السجع الرصين. فلا هو نثر كنثرهم المبعثر، و لا هو شعر كشعرهم المتحصّر، و لا فيه تكلّف السجع الهجين. و إنّما هو نوع صياغة للكلام لم تعرفها العرب من قبل، و لا استطاعت أن تحيك على منوالها أبدا. و هو في نفس الوقت وقع موضع إعجابهم و بهرتهم براعتها و روعتها إلى حدّ بعيد.
قال الإمام كاشف الغطاء: تلك صورة نظمه العجيب و أسلوبه الغريب، المخالف لأساليب كلام العرب و مناهج نظمها و نثرها، و لم يوجد قبله و لا بعده نظير، و لا استطاع أحد مماثلة شيء منه. بل حارت فيه عقولهم، و تدلّهت دونه أحلامهم، و لم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر. هكذا اعترف له أفذاذ العرب و فصحاؤهم الأوّلون[١].
قال عظيم العرب و فريدها الوليد بن المغيرة: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة! فو اللّه ما هو بشعر و لا بسحر و لا بهذي جنون، و إنّ قوله لمن كلام اللّه!
و قال- ردّا على من زعم أنّه من الشعر-: فو اللّه ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّي، و لا أعلم برجز و لا بقصيدة منّي، و لا بأشعار الجنّ! و اللّه ما يشبه الّذي يقول شيئا من هذا.
ثمّ قال: و و اللّه إنّ لقوله الّذي يقول حلاوة، و إنّ عليه لطلاوة، و إنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، و إنّه ليعلو و ما يعلى. و في رواية الإصابة: و ما هذا بقول بشر.
و لمّا سمع عتبة بن ربيعة- و كان سيّدا في العرب- آيا من مفتتح سورة فصّلت، قرأها عليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو منصت له، أتى معشر قريش، فسألوه عمّا وراءه؟ قال: ورائي أنّي قد سمعت قولا، و اللّه ما سمعت مثله قطّ، و اللّه ما هو بالشعر و لا بالسحر و لا بالكهانة.
و هكذا أنيس بن جنادة- و كان من أشعر العرب- بعثه أخوه جندب بن جنادة ليستخبر من أحوال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فرجع و أخبره: إنّه صادق في قوله. قال: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم.
[١] الدين و الإسلام ٢: ١٠٧.