التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٦ - مراتب الهداية و درجاتها
فقوله تعالى: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى[١]، هداية من النوع الأوّل.
و قوله تعالى: وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍ[٢]، هداية من النوع الثاني. و هكذا يختلف المعنى حسب اختلاف الموارد.
مراتب الهداية و درجاتها
للهداية- حسب الاستعمال القرآني- مراتب و درجات، منها: فطريّة و أخرى: إرشاديّة، و ثالثة: فيضيّة (إلهام و عناية ربّانية)، و تنتهي إلى عصمة إلهيّة خصّ بها الربّانيّون من أنبياء و أولياء مقرّبين. نلخّصها حسب التالي:
المرتبة الأولى: هداية فطريّة مرتكزة في جبلّة الأشياء من حيوان و نبات و جماد، فضلا عن الإنسان .. إذ ما من موجود و هو يهتدي- اهتداء ذاتيّا- إلى ما يلائمه من صلاح أو ينافره من فساد، فينجذب إليه انجذابا ذاتيّا، أو ينفر منه نفارا حسب طبعه و ذاته. و ذلك بدافع فطرته التي جبله اللّه عليها، ليستقيم الحياة و يستتبّ أمر النظام، في أحسن وجه و أكمل هندام.
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[٣]. وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى[٤] الأمر الّذي نلمسه بوضوح في نظام الكون من غير تحوير أو تغيير. كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[٥]. و هو النظام الكوني السائد على المخلوق كلّه، سنّة اللّه الّتي جرت في الخلق فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا[٦].
المرتبة الثانية: قدرة تفكيريّة جبّارة (العقل) ركّبها اللّه تعالى في الإنسان، ليمتاز على سائر الحيوان و ليستطيع التغلّب على طاقات الأرض و السّماء فيسخّرها في سبيل منافعه في الحياة ..
وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً[٧]، أي جعلكم بحيث تستخدمونها في مآربكم.
هذا ما يعود إلى جانب المادّيّات من حياة البشر، و أمّا جانب معنويّاته- التي تتبلور فيها حياته الإنسانيّة العليا- فقد منحه اللّه قدرة إدراك خارقة، يميّز بين الخير و الشّر تمييزا ذاتيّا، كما يميّز بين
[١] فصلت ٤١: ١٧.
[٢] الزمر ٣٩: ٣٧.
[٣] طه ٢٠: ٥٠.
[٤] الأعلى ٨٧: ٣.
[٥] الأنبياء ٢١: ٣٣.
[٦] فاطر ٣٥: ٤٣.
[٧] الجاثية ٤٥: ١٣.