التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٧ - مراتب الهداية و درجاتها
النافع و الضارّ و الصلاح و الفساد، في بداهة عقله الرشيد المفطور عليها. قال تعالى: أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ. وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ[١]. هداية في فطرته و جبلّته التي خلقه اللّه عليها. و من ثمّ جاء في أحاديث أهل البيت عليهم السّلام: أنّ العقل رسول باطني[٢]، و أنّ الرسل و الأنبياء جاءوا ليثيروا دفائن العقول[٣].
[٢/ ٢٩٦] جاء في حديث الإمام الكاظم عليه السّلام: «إنّ للّه على الناس حجّتين، حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام و أمّا الباطنة فالعقول»[٤].
المرتبة الثالثة: نصب الدلائل و بعث الرسل، و إنزال الكتب و الشرائع، هداية تشريعيّة لائحة جاءت لتؤيّد و تثير تلك الهداية الكامنة في مطاوي العقول.
و هذه الأنحاء الثلاثة من الهداية (الفطرة. العقل. الشريعة) جاءت عامّة و شاملة كلّ طوائف الناس و جميع الأمم من ولد آدم على الإطلاق .. و بهذا المعنى (الهدايات الثلاث العامّة) جاء قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً بالإجابة و العمل وَ إِمَّا كَفُوراً بالإعراض و التولّي[٥].
أي أوفينا له سبل الاهتداء إلى الصواب، شكر أم كفر، إذ لا جبر في التكليف، إنّما هو إراءة طريق، سلكه أم لم يسلكه، كلّ ذلك باختياره في الرفض و القبول .. وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ[٦]، أي يجعلهم على وضح الحقّ لا غبار عليه، فإن استسلموا فعن وعي صادق، و إن نفروا فعن غبن فاحش، لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ[٧].
قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[٨].
المرتبة الرابعة: توفيق رحماني و تسديد للخطى نحو الصواب، عناية ربانيّة خاصّة بأولئك الّذين ثبتوا على الحقّ و التزموا النهج المستقيم، و لم يحيدوا عن هدي الفطرة و نور العقل و إرشادات الشرع الحنيف. إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا
[١] البلد ٩٠: ٨- ١٠.
[٢] الكافي ١: ١٣- ١٦ في حديث الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام.
[٣] كما في خطبة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام رقم ١.
[٤] الكافي ١: ١٦/ ١٢.
[٥] الإنسان ٧٦: ٣.
[٦] الأحزاب ٣٣: ٤.
[٧] البقرة ٢: ٢٥٦.
[٨] المائدة ٥: ١٥- ١٦.