التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٩ - مراتب الهداية و درجاتها
أعرض و نأى بجانبه. و يهدي من أقبل و استهدى. و اللّه عزيز أي غالب على أمره، حكيم في فعاله.
المرتبة الخامسة: و هي الغاية القصوى بل المثل الأعلى للكمال الإنساني الرفيع، هي بلوغ مرتبة العصمة، تعصم صاحبها عن الخطل و الزلل و عن الخطأ و الانحراف.
و العصمة: بصيرة ذاتيّة حاصلة من قوّة الإيمان و شدّة الثقة باللّه العظيم. و عبّر عنها القرآن بالحكمة (قدرة إيمانيّة واعية) يمنحها اللّه من يشاء من عباده المصطفين الأخيار. يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ[١]. و ليست الحكمة سوى بصيرة في الدين و علم في يقين، بحيث يرى الحسن حسنا في ذاته، و القبيح قبيحا في ذاته. رؤية علم و يقين لا غبار عليه.
قال تعالى: وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً[٢]. و الماء الغدق هو العلم الغزير، أي الحكمة الواسعة، و الّتي هي أساس العصمة الربّانيّة يمنحها لعباده المخلصين .. بما أخلصوا للّه الطاعة و اجتهدوا في العبادة و الاستسلام للّه ربّ العالمين.
*** و بعد فقد كانت درجات الهداية الرحمانيّة متصاعدة خمسة: الفطرة، العقل، الشريعة، التوفيق و في النهاية: العصمة ..
و هي مراتب متلاحقة يتدرّج في الصعود إليها حتّى بلوغ قمّة الكمال.
و لكلّ هذه المراتب مراحل، يقضيها السالك إلى اللّه سيرا حثيثا، و في ظلّ ولاية اللّه الفارهة.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ[٣] فكلّ درجة يقضيها العبد، فقد خرج من ظلمة إلى نور .. ظلمة نسبيّة حسب درجات نوريّة متصاعدة.
أمّا المعاكس في انتهاج طريقة الهدى، فيتقهقر خلفيّا من نور إلى الظلمة، و هكذا حتّى دركات الهاوية. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ[٤].
و من ثمّ فالذين اتّقوا كانوا على هدى من ربّهم و أولئك هم المفلحون في نهاية المطاف.
[١] البقرة ٢: ٢٦٩.
[٢] الجنّ ٧٢: ١٦.
[٣] البقرة ٢: ٢٥٧.
[٤] البقرة ٢: ٢٥٧.