التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢ - ٣ - الإنفاق في سبيل الله
٢- الإخلاص في العبادة
السمة الثانية: العبادة للّه خالصة وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ. فيتوجهون بالعبادة للّه وحده، و يترفّعون عن عبادة العباد و عبادة الأشياء: يتّجهون إلى القوّة المطلقة بغير حدود و يحنون جباههم للّه وحده.
و القلب الّذي يسجد للّه حقّا و يتّصل به على مدار الليل و النهار، يستشعر أنّه موصول السبب بواجب الوجود، و يجد لحياته غاية أعلى من أن تستغرق في الأرض و حاجات الأرض، و يحسّ أنّه أقوى من المخاليق، لأنّه موصول بخالق المخاليق.
قال سيد قطب: و هذا كلّه مصدر قوّة للضمير، كما أنّه مصدر تحرّج و تقوى، و عامل خطير من عوامل تربية الشخصيّة، و جعلها ربّانيّة التصوّر، ربّانيّة الشعور، ربّانيّة السلوك[١].
٣- الإنفاق في سبيل اللّه
السمة الثالثة: البذل بالمال و بما آتاه اللّه، في سبيل اللّه و في سبيل الخدمة الإنسانيّة النبيلة.
حيث المؤمنون حقّا المتقون، يعترفون ابتداء بأنّ المال الّذي في أيديهم هو من رزق اللّه و منحته الكريمة، و ليس من عندهم، و من هذا الشعور ينبثق حبّ البرّ و الإيثار، و حبّ التضامن مع ضعاف الناس، شعورا بالآصرة الإنسانيّة، و بالأخوّة البشريّة. و قيمة هذا كلّه تتجلّى في تطهير النفس من الشحّ، و تزكيتها بالبرّ. و قيمتها أنّها تردّ الحياة مجال تعاون لا معترك تطاحن، و أنّها تؤمّن العاجز و الضعيف و القاصر، و تشعرهم أنّهم يعيشون بين قلوب و وجوه و نفوس إنسانية كريمة، لا بين أظفار و مخالب و أنياب.
و قد وصف اللّه المتقين- في سورة الذاريات (٥١: ١٩) بقوله: وَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ. يعني أنّ المؤمن المتّقي (المتعهد بأصول الإنسانية) يرى للضعفاء حقّا في أمواله، فيسهل عليه الإيثار و الإنفاق. لأنّ فيه خروجا عن حقّ مفروض عليه.
و جاء في سورة المعارج (٧٠: ٢٠) في وصف المصلّين: الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ. وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ.
و في سورة الأنفال (٨: ٢- ٤): إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
[١] في ضلال القرآن ١: ٤٣.