التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦ - سورة البقرة(٢) آية ٢
عنهم القرآن بالمتّقين- يحتضنون الحقّ فور ما وجدوه.
و الآيات الأربع- بدء السورة- تخصّ هؤلاء المسالمين.
و الآيتان السادسة و السابعة- تعنيان أولئك الجاحدين المناوئين.
و بقيّة الآيات حتّى الآية العشرين، تصف موقف المراوغين المنافقين، في تفصيل و تفضيع.
و لنبدأ بالفئة الأولى المسالمة:
قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
«ذلك» إشارة إلى البعيد، بعدا في ارتفاع الشأن.
و «الكتاب»: القرآن أو الشريعة الغرّاء.[١]
قوله: «لا رَيْبَ فِيهِ» أي لا مجال للريب بعد وفور دلائل اليقين، إذ كلّ تعاليم الشريعة، أصولا و فروعا، تتوافق و مباني العلم و الحكمة، و تتواءم مع الفطرة و العقل السليم. و ليس في الشرع ما يتنافر منه الطبع، فضلا عن العقل الرشيد و الفكر السديد.
و من ثمّ جاء قوله تعالى- من غير محاباة-:
وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[٢]. فقد كانت الغاية من إنزال الذكر و كذلك تبيين الرسول، هو أن يتفكّر أولئك الألباب، في مطاوي تعاليم الشريعة، و ليكن أخذهم بها و العمل عليها عن بصيرة نافذة، و ليس عن متابعة عمياء. و هكذا جاء الأمر بالتدبّر و التعقّل و التفكير، في كثير من آيات القرآن، متحدّيا شعور ذوي القلوب و الأبصار، الأمر الّذي يجعل من دين الإسلام، دين الفطرة و دين العقل و دين الشعور و التفكير. فلا يحابي و لا يداهن
[١] باعتبارها كتابا أي مكتوبا، يعني مفروضا على المؤمنين. كما في قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً( النساء ٤: ١٠٣). و الكتاب في المصطلح القرآني، كثيرا ما يراد به نفس الشريعة السمحاء، و لا سيّما في أمثال قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ( آل عمران ٣: ٨١). حيث الكتاب المسموح به إلى جنب الحكمة، يراد به الشريعة: وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ( البقرة ٢: ١٥١) أي علم الشريعة مع البصيرة في الدين.
فالكتاب هي المفروضات، و الحكمة هي التبصّر في الدين و الفهم المستقيم و علم اليقين.
[٢] النحل ١٦: ٤٤.