التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٨ - اختيار أبي جعفر الطبري
الكعبة قبل الأرض بألفي سنة. قالوا: كيف خلقت قبل و هي من الأرض؟ قال: كانت حشفة[١] على الماء عليها ملكان يسبّحان الليل و النهار ألفي سنة، فلمّا أراد اللّه أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها في وسط الأرض، فلمّا أراد اللّه أن يخلق آدم بعث ملكا من حملة العرش يأتي بتراب من الأرض، فلمّا هوى ليأخذ، قالت الأرض: أسألك بالّذي أرسلك أن لا تأخذ منّي اليوم شيئا يكون منه للنار نصيب غدا، فتركها. فلمّا رجع إلى ربّه قال: ما منعك أن تأتي بما أمرتك؟ قال: سألتني بك فعظّمت أن أراد شيئا سألني بك. فأرسل ملكا آخر فقال: مثل ذلك حتّى أرسلهم كلّهم، فأرسل ملك الموت فقالت له مثل ذلك، قال: إنّ الّذي أرسلني أحقّ بالطاعة منك. فأخذ من وجه الأرض كلّها من طيبها و خبيثها، حتّى كانت قبضة عند موضع الكعبة، فجاء به إلى ربّه فصبّ عليه من ماء الجنّة، فجاء حمأ مسنونا، فخلق منه آدم بيده، ثمّ مسح على ظهره فقال: تبارك اللّه أحسن الخالقين، فتركه أربعين ليلة لا ينفخ فيه الروح، ثمّ نفخ فيه الروح، فجرى فيه الروح من رأسه إلى صدره، فأراد أن يثب. فتلا أبو هريرة: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ[٢].
فلمّا جرى فيه الروح قعد جالسا فعطس، فقال اللّه: قل: الحمد للّه. فقال: الحمد للّه. فقال:
رحمك ربّك، ثمّ قال: انطلق إلى هؤلاء الملائكة فسلّم عليهم، فقال: السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته، فقالوا: و عليك السّلام و رحمة اللّه و بركاته، فقال: هذه تحيّتك و تحيّة ذرّيّتك يا آدم!.
أيّ مكان أحبّ إليك أن أريك ذرّيّتك فيه؟ فقال: بيمين ربّي و كلتا يديّ ربّي يمين. فبسط يمينه فأراه فيها ذرّيّته كلّهم و ما هو خالق إلى يوم القيامة. الصحيح على هيئته، و المبتلى على هيئته، و الأنبياء كلّهم على هيئتهم. فقال: أي ربّ، أ لا عافيتهم كلّهم؟ فقال: إنّي أحببت أن أشكر. فرأى فيها رجلا ساطعا نوره فقال: أي ربّ من هذا؟ فقال: هذا ابنك داود، فقال: كم عمره؟ قال: ستّون سنة، قال: كم عمرى؟ قال: ألف سنة، قال: انقص من عمري أربعين سنة فزدها في عمره، ثمّ رأى آخر ساطعا نوره ليس مع أحد من الأنبياء مثل ما معه، فقال: أي ربّ من هذا؟ قال: هذا ابنك محمّد، و هو أوّل من يدخل الجنّة، فقال آدم: الحمد للّه الّذي جعل من ذرّيّتي من يسبقني إلى الجنّة و لا أحسده.
فلمّا مضى لآدم ألف سنة إلّا أربعين جاءته الملائكة تتوفّاه عيانا، قال: ما تريدون؟ قالوا: أردنا
[١] الحشفة: الجزيرة في البحر إذا كانت صغيرة و مستديرة.
[٢] الأنبياء ٢١: ٣٧.