التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٣ - سبع سماوات علا
كريّ- هي الأرض- إنّما تعني الإحاطة بها من كلّ جانب.
و أيضا فإنّ السماء الدنيا- و هو الفضاء الفسيح المحيط بالأرض- هي الّتي تزيّنت بزينة الكواكب أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَ زَيَّنَّاها[١]. و الظاهر يقتضي التركيز فيها، و إن كان من المحتمل تجلّلها بما تشعّ عليها الكواكب من أنوار!
و يبدو أنّ هذا الفضاء الواسع الأرجاء- بما فيه من أنجم زاهرة و كواكب مضيئة لامعة- هي السماء الاولى الدنيا، و من ورائها أفضية ستّ في أبعاد مترامية، هي مليئة بالحياة لا يعلم بها سوى صانعها الحكيم. وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[٢].
و العقل لا يفسح المجال لإنكار ما لم يبلغه العلم، و هو في بدء مراحله الآخذة إلى الكمال.
نعم، يزداد العلم يقينا- كلّما رصد ظاهرة كونيّة- أنّ ما بلغه ضئيل جدّا بالنسبة إلى ما لم يبلغه، و تزداد ضآلة كلّما تقدّم إلى الأمام. حيث عظمة فسحة الكون تزداد ابّهة و كبرياء كلّما كشف عن سرّ من أسرار الوجود و ربما إلى غير نهاية، لا سيّما و الكون في اتّساع مطّرد: وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ[٣].
هذا و قد حاول بعضهم- في تكلّف ظاهر- التطبيق مع ما بلغه العلم قديما و في الجديد من غير ضرورة تدعو إلى ذلك. و لعلّ الأناة، حتّى يأتي يوم يساعد التوفيق على حلّ هذا المجهول من غير تكلّف، كانت أفضل.
يقول سيّد قطب: لا ضرورة لمحاولة تطبيق هذه النصوص على ما يصل إليه علمنا، لأنّ علمنا لا يحيط بالكون حتّى نقول على وجه التحقيق: هذا ما يريده القرآن. و لن يصحّ أن نقول هكذا إلّا يوم يعلم الإنسان تركيب الكون كلّه علما يقينيّا، و هيهات ...[٤].
و إليك بعض محاولات القوم: حاول بعض القدامى تطبيق التعبير الوارد في القرآن على فرضيّة بطلميوس لهيئة الأفلاك الّتي هي مدارات الكواكب فيما حسبه حول الأرض[٥]. و لكن من غير
[١] ق ٥٠: ٦.
[٢] الإسراء ١٧: ٨٥.
[٣] الذاريات ٥١: ٤٧.
[٤] في ظلال القرآن ٢٨: ١٥٢.
[٥] زعموا أنّ الأرض في مركز العالم، و أنّ القمر و عطارد و الزهرة و الشمس و المرّيخ و المشتري و زحل سيّارات حولها، في مدارات هي أفلاك متراكبة بعضها فوق بعض بنفس الترتيب. و كلّ واحد منها في فلك دائر حول الأرض من الغرب إلى-- الشرق في حركة معاكسة لحركتها اليومية من الشرق إلى الغرب على أثر تحريك الفلك التاسع، المسمّى عندهم بفلك الأفلاك أو بالفلك الأطلس، لعدم وجود نجم فيه. و أمّا النجوم الثوابت فهي مركوزة في الفلك الثامن. فهذه تسعة أفلاك محيطة بالأرض بعضها فوق بعض.
و هكذا جاء في إنجيل برنابا من كلام المسيح عليه السّلام: أنّ السماوات تسع، فيها السيّارات، و تبعد إحداها عن الاخرى مسيرة خمسمائة عام.
و لمّا ترجمت فلسفة اليونان إلى العربية، و درسها علماء الإسلام وثقوا بأنّ الأفلاك تسعة، و قال بعضهم: هي سبع سماوات، و الكرسي فلك الثوابت، و العرش هو الفلك المحيط.
و الغريب أنّ مثل محيي الدين ابن عربي اغترّ بهذه الغريبة و حسبها حقيقة و بنى عليها معارفه الإشراقية فيما زعم.( راجع:
الفتوحات المكيّة ٣: ٤١٦ و ٤٣٣، الباب ٣٧١ و الفصل الثالث منه، و كذا الفصّ الإدريسي من فصوص الحكم ١: ٧٥).
و هكذا شيخنا العلّامة بهاء الدين العاملي في كتابه تشريح الأفلاك، و هو عجيب!
و لقد أعجبني كلام أبي الحسن علي بن عيسى الرّمّاني المعتزلي في تفسير الآية، حيث أنكر إرادة الأفلاك البطلميوسيّة من السماوات السبع في القرآن، محتجّا بأنّه تفسير يخالف ظاهر النصّ. راجع: التبيان ١: ١٢٧.