التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٣ - كلام عن ضرب الأمثال في القرآن
و حتّى لو أنّ الوابل لم يصبها فإنّ فيها من الخصب و الاستعداد للإنبات ما يجعل القليل من المطر يهزّها و يحييها: فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ (مطر ناعم خفيف).
و بعد فإنّ الآية ترسم مشهدا كاملا مؤلّفا من منظرين متقابلين شكلا و وضعا و ثمرة. و في كلّ منظر جزئيّات يتّسق بعضها مع بعض من ناحية فنّ الرسم و فنّ العرض، و يتّسق كذلك مع ما يمثّله من المشاعر و المعاني الّتي رسم المنظر كلّه لتمثيلها و تشخيصها و إحيائها.
نحن في المنظر الأوّل أمام قلب صلد كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ.
فهو لا يستشعر نداوة الإيمان و بشاشته. و لكن يغطّي هذه الصلادة بغشاء من الرياء.
هذا القلب الصلد المغشيّ بالرياء يمثّله صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ صخر لا خصب فيه و لا ليونة، يغطّيه تراب خفيف يحجب صلادته عن الأعين، كالرياء يحجب صلادة القلب العاري عن الإيمان.
فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً. فقد ذهب المطر الغزير بالتراب اليسير. فانكشف الصخر بجدبه و قساوته، و من غير أن يثمر شيئا.
أمّا المنظر الثاني، فقلب عامر بالإيمان، نديّ ببشاشته، ينفق ماله ابتغاء مرضاة اللّه. ينفقه عن ثقة ثابتة في الخير، نابعة من الإيمان، عميقة الجذور في الضمير. و هكذا قلب تمثّله جنّة خصبة عميقة التربة ذات البركة.
فإذ كان الوابل هناك في المنظر الأوّل قد ذهب بغشاء التراب، فإنّه هنا جاء ليخصب و ينمي و يثمر و ينتشل ببركات الأرض.
أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ أحياها كما يحيي الصدقة- في سبيل رضا اللّه- قلب المؤمن فيزكو و يزداد صلة باللّه، كما يزكو ماله و يضاعف له الحسنات.
و حقّا إنّه المشهد الكامل، المتقابل المناظر، المنسّق الجزئيّات، المعروض بطريقة معجزة التناسق و الأداء، الممثّل بمناظره الشاخصة لكلّ خالجة في القلب و كلّ خاطرة في النفس، المصوّر للمشاعر و الوجدانات بما يقابلها من الحالات و المحسوسات، الموحي للقلب باختبار الطريق في يسر عجيب!
و لمّا كان المنظر مجالا للبصر و البصيرة من جانب، و مردّ الأمر كلّه إلى كونه بعين اللّه و علمه