التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩ - مقاصد سورة البقرة و أهدافها
الإسلام قوّة يحسب حسابها كلّ أحد؛ و يضطرّ لمصانعتها كثيرا أو قليلا- و بخاصّة بعد غزوة بدر و انتصار المسلمين فيها انتصارا عظيما- و في مقدّمة من كان مضطرّا لمصانعتها نفر من الكبراء، دخل أهلهم و شيعتهم في الإسلام و أصبحوا هم، و لا بدّ لهم- لكي يحتفظوا بمقامهم الموروث بينهم و بمصالحهم كذلك- أن يتظاهروا باعتناق الدّين الّذي اعتنقه أهلهم و أشياعهم. و من هؤلاء عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول الّذي كان قومه ينظّمون له الخزر ليتوّجوه ملكا عليهم قبيل مقدم الإسلام على المدينة. و نجد في أوّل السورة وصفا مطوّلا لهؤلاء المنافقين، ندرك من بعض فقراته: أنّ المعنيّ به في الغالب هم أولئك الكبراء الذين أرغموا على التّظاهر بالإسلام، و لم ينسوا بعد ترفّعهم على جماهير الناس، و تسمية هذه الجماهير بالسفهاء على طريقة المتكبّرين!
و في ثنايا هذه الحملة على المنافقين- الّذين في قلوبهم مرض- نجد إشارة إلى شياطينهم، و الظاهر من سياق السورة و من سياق الأحداث في السيرة: أنّها تعني اليهود، الذين تضمّنت السورة حملات شديدة عليهم فيما بعد.
و لقد كانت معجزة الإسلام الخالدة: أنّ صفتهم- اليهود- الّتي دفعهم بها، هي الملازمة لهم في كلّ أجيالهم، من قبل الإسلام و من بعده إلى يومنا هذا. ممّا جعل القرآن يخاطبهم في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما لو كانوا هم أنفسهم الّذين كانوا على عهد موسى عليه السّلام و على عهود خلفائه من أنبيائهم، باعتبارهم جبلّة واحدة، سماتهم هي هي، و دورهم هو هو، و موقفهم من الحقّ و الخلق هو موقفهم على مدار الزّمان! و من ثمّ يكثر الالتفات في السياق من خطاب قوم موسى، إلى خطاب اليهود في المدينة، إلى خطاب أجيال بين هذين الجيلين. و من ثمّ تبقى كلمات القرآن حيّة كأنّما تواجه موقف الأمّة المسلمة اليوم و موقف اليهود منها. و تتحدّث عن استقبال يهود لهذه العقيدة و لهذه الدعوة، اليوم و غدا، كما استقبلتها بالأمس تماما!
و كأنّ هذه الكلمات الخالدة هي التنبيه الحاضر، و التحذير الدائم للأمّة المسلمة، تجاه أعدائها الذين واجهوا أسلافها بما يواجهونها اليوم به من دسّ و كيد، و حرب منوّعة المظاهر، متّحدة الحقيقة!
***