التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠ - مقاصد سورة البقرة و أهدافها
و هذه السورة الّتي تضمّنت هذا الوصف، و هذا التنبيه، و هذا التحذير، تضمّنت كذلك بناء الجماعة المسلمة و إعدادها لحمل أمانة العقيدة في الأرض بعد نكول بني إسرائيل عن حملها قديما، و وقوفهم في وجهها هذه الوقفة أخيرا.
تبدأ السورة- كما أسلفنا- بوصف تلك الطوائف الّتي كانت تواجه الدعوة أوّل العهد بالهجرة- بما في ذلك تلك الإشارة إلى الشياطين اليهود الّذين يرد ذكرهم فيما بعد مطوّلا- و تلك الطوائف هي الّتي تواجه هذه الدعوة على مدار التاريخ بعد ذلك. ثمّ تمضي السورة على محورها بخطّيه الأساسيّين إلى نهايتها، في وحدة ملحوظة، تمثّل الشخصيّة الخاصّة للسورة، مع تعدّد الموضوعات الّتي تناولها و تنوّعها ...
فبعد استعراض النماذج الثلاثة الأولى: المتّقين. و الكافرين. و المنافقين. و بعد الإشارة الضمنيّة لليهود الشياطين، نجد دعوة الناس جميعا إلى عبادة اللّه و الإيمان بالكتاب المنزل على عبده، و تحدّي المرتابين فيه بأن يأتوا بسورة من مثله. و تهديد الكافرين بالنار و تبشير المؤمنين بالجنّة. ثمّ التعجيب من أمر الّذين يكفرون باللّه.
و عند هذا المقطع الّذي يشير إلى خلق ما في الأرض جميعا للناس، تجيء قصّة استخلاف آدم في الأرض.
بعد هذا يبدأ السياق جولة واسعة طويلة مع بني إسرائيل، تتخلّلها دعوتهم للدخول في دين اللّه و ما أنزله اللّه مصدّقا لما معهم، مع تذكيرهم بعثراتهم و خطاياهم و التوائهم و تلبيسهم منذ أيّام موسى عليه السّلام و لا يزالون.
و من ثمّ تتضمّن السورة حملة قويّة على أفاعيلهم هذه، و تذكّرهم بمواقفهم المماثلة من نبيّهم و من شرائعهم و سائر أنبيائهم، على مدار الأجيال، و تخاطبهم في هذه كأنّهم جيل واحد متّصل، و جبلّة واحدة لا تتغيّر و لا تتبدّل!
و تنتهي هذه الحملة بتيئيس المسلمين من الطمع في إيمانهم لهم، و هم على هذه الجبلّة المئوفة الطبع، كما تنتهي بفصل الخطاب في دعواهم أنّهم وحدهم المهتدون، بما أنّهم ورثة إبراهيم.
و تبيين أنّ ورثة إبراهيم الحقيقيّين هم الذين يمضون على سنّته، و يتقيّدون بعهده مع ربّه؛ و أنّ وراثة