التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٧ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
و بعد فينبغي هنا بالمناسبة، أن نلمّ بمسألة الإعجاز إلمامة قصيرة، لغرض الوقوف على جوانب عابرة من وجوه هذا الإعجاز الخارق. فنقول:
تفاوتت أنظار العلماء في وجه إعجاز القرآن و لا يزال البحث مستمرّا عن هذا السرّ الّذي هو آية الإسلام:
١- ذهب أرباب الأدب و البيان إلى أنّها الفصاحة البالغة و البلاغة الفائقة، إن في بديع نظمه أو في عجيب رصفه، الّذي لم يسبقه مثيل و لا يمكن أن يخلفه بديل.
قد نضّدت عباراته نضدا مؤتلفا، و نظّمت فرائده نظما متناسقا، وضعت كلّ لفظة منه في موضعها اللائق بها، و رصفت كلّ كلمة منه إلى كلمات تناسبها و توائمها، وضعا دقيقا و رصفا رقيقا تامّا، يجمع بين إناقة التعبير و سلاسة البيان، و جزالة اللفظ و فخامة الكلام، حلوا رشيقا و عذبا سائغا، يستلذّه الذوق و يستطيبه الطبع. ممّا يستشفّ عن إحاطة واسعة و معرفة كاملة بأوضاع اللغة و مزايا الكلام، و يقصر دونه طوق البشر المحدود.
قالوا في دقّة هذا النظم و روعة هذا النضد: لو انتزعت منه لفظة، ثمّ أدير بها لغة العرب كلّها على أن يوجد لها نظير في مثل موضعها الخاصّ، لم يوجد البتّة!!
قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، و خصائص صادفوها في سياق لفظه، و بدائع راعتهم في مبادي آيه و مقاطعها، و مجاري ألفاظها و مواقعها، و في مضرب كلّ مثل، و مساق كلّ خبر، و صورة كلّ عظة و تنبيه و إعلام، و تذكير و ترغيب و ترهيب، و مع كلّ حجّة و برهان، و صفة و تبيان ... و بهرهم أنّهم تأمّلوه سورة سورة و عشرا عشرا و آية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، و لفظة ينكر شأنها أو يرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى أو أخلق، بل وجدوا اتّساقا بهر العقول، و أعجز الجمهور، و نظاما و التئاما، و إتقانا و إحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم موضع طمع، حتّى خرست الألسن عن أن تدّعي و تقول، و خلدت القروم[١] فلم تملك أن تجول و تصول[٢].
[١] القرم: العظيم الشأن. يقال: خلد بالمكان أي استكن و غمّه الخمول.
[٢] دلائل الإعجاز: ٢٨. و راجع: التمهيد ٥: ٢٠.