التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧ - مقاصد سورة البقرة و أهدافها
جنب اللّه، و طلب رضوانه و ابتغاء فضله و رحمته. و بذلك ينتهي المطاف.
و لعلّك تأمّلت المناسبة الظاهرة بعد ذلك التفصيل بين دلائل الدعوة و معالم التشريع.
و قد جهد الإمام الرّازي في تبيين النظم القائم بين هذه الآيات الثلاث بالذات و ما سبقتها من دلائل التوحيد و تشريع الأحكام، و ذكر في ذلك وجوها لا بأس بها و عقّبها بقوله:
و من تأمّل في لطائف نظم هذه السورة و في بدائع ترتيبها، علم أنّ القرآن كما أنّه معجز بحسب فصاحة ألفاظه و شرف معانيه، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه و نظم آياته. و لعلّ الّذين قالوا: إنّه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك، إلّا أنّي رأيت جمهور المفسّرين معرضين عن هذه اللطائف، غير منتبهين لهذه الأمور. ثمّ تمثّل بقول الشاعر:
|
و النجم تستصغر الأبصار رؤيته |
و الذنب للطرف لا للنجم في الصغر[١] |
|
*** و لسيّد قطب وصف دقيق عن هدف السورة و محتواها الشامل لكلا جانبي تبليغ الدعوة و مكافحة الخصوم. قال: هذه السورة تضمّ عدّة موضوعات، و لكن المحور الّذي يجمعها كلّها محور واحد مزدوج يترابط الخطّان الرئيسيّان فيه ترابطا شديدا. فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة، و استقبالهم لها، و مواجهتهم لرسولها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و للجماعة المسلمة الناشئة على أساسها. و سائر ما يتعلّق بهذا الموقف، بما فيه تلك العلاقة القويّة بين اليهود و المنافقين من جهة، و بين اليهود و المشركين من جهة أخرى. و هي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أوّل نشأتها، و إعدادها لحمل أمانة الدعوة و الخلافة في الأرض. بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها، و نقضهم لعهد اللّه بخصوصها، و تجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم عليه السّلام صاحب الحنيفيّة الأولى، و تبصير الجماعة المسلمة و تحذيرها من العثرات الّتي سبّبت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم. و كلّ موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطّيه الرئيسيّين.
[١] التفسير الكبير ٧: ١٢٧.