التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٠ - نظرة في أخبار الطينة
اللّه- عزّ و جلّ- يقول: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ[١] قال: قلت: فأراه حسن السيماء و له وقار فأغتمّ لذلك، قال: لا تغتمّ لما رأيت من نزق أصحابك و لما رأيت من حسن سيماء من خالفك، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لمّا أراد أن يخلق آدم خلق تلك الطينتين، ثمّ فرّقهما فرقتين، فقال لأصحاب اليمين كونوا خلقا بإذني. فكانوا خلقا بمنزلة الذرّ يسعى، و قال لأهل الشمال: كونوا خلقا بإذني، فكانوا خلقا بمنزلة الذرّ، يدرج، ثمّ رفع لهم نارا فقال: ادخلوها بإذني، فكان أوّل من دخلها محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ اتّبعه اولو العزم من الرّسل و أوصياؤهم و أتباعهم، ثمّ قال لأصحاب الشمال: ادخلوها بإذني، فقالوا: ربّنا خلقتنا لتحرقنا؟ فعصوا، فقال لأصحاب اليمين اخرجوا بإذني من النّار، لم تكلم النّار منهم كلما[٢]، و لم تؤثّر فيهم أثرا، فلمّا رآهم أصحاب الشّمال، قالوا: ربّنا نرى أصحابنا قد سلموا فأقلنا و مرنا بالدّخول، قال: قد أقلتكم فادخلوها، فلمّا دنوا و أصابهم الوهج رجعوا فقالوا: يا ربّنا لا صبر لنا على الاحتراق فعصوا، فأمرهم بالدخول ثلاثا، كلّ ذلك يعصون و يرجعون و أمر أولئك ثلاثا، كلّ ذلك يطيعون و يخرجون، فقال لهم [جميعا]: كونوا طينا بإذني فخلق منه آدم، قال:
فمن كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء و من كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء و ما رأيت من نزق أصحابك و خلقهم فممّا أصابهم من لطخ أصحاب الشّمال و ما رأيت من حسن سيماء من خالفكم و وقارهم فممّا أصابهم من لطخ أصحاب اليمين»[٣].
نظرة في أخبار الطينة
اعلم أنّ مذهبنا في الخلق و التكليف هو البناء على الفطرة السليمة فطرة التوحيد الّتي فطر الناس عليها. ليكون الحياد عنها عارضا رغم صميم الذات.
قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ[٤].
نعم كان الناس جميعا- على مختلف شعبهم و ألوانهم و تنوّع بيئاتهم- مفطورين على التوحيد و الإقرار بربوبيّته تعالى، منذ أن فطموا و لم يزالوا.
[١] الفتح ٤٨: ٢٩.
[٢] الكلم: الجرح.
[٣] الأحاديث مستخرجة من الكافي الشريف ٢: ٢- ١١.
[٤] الروم ٣٠: ٣٠.