التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٦ - كلام عن ضرب الأمثال في القرآن
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
جاء الوصف بصورة إجمال، حيث المطلوب تشخيص الصورة في عمومها، لا تسجيل واقعة بعينها. و من ثمّ فالعهد المنقوض يتمثّل في عهود كثيرة تعود إلى ميثاق الفطرة و الاستخلاف و تعليم الأسماء و إيداع ودائع اللّه و التزويد بإرسال الرسل و إنزال الشرائع و هكذا.
و على أثره فيقومون بقطع الأواصر و الإفساد في الأرض، و بالتالي تعود الخسارة إليهم بالذات، حيث خسرت صفقتهم في الحياة[١].
كلام عن ضرب الأمثال في القرآن
ضرب المثل في القرآن يعدّ من روائع بيانه الحكيم، حيث تقريبه للمعاني إلى الأذهان و تجسيده للمفاهيم بصورة عيان. و قد قيل قديما: المثال يقرّب المقال.
قال نظام الدين النيسابوري القمي: و نحن نرى أنّ الإنسان قد يذكر معنى فلا يلوح كما ينبغي، فإذا ذكر المثال اتّضح و انكشف، و ذلك أنّ من طبع الخيال حبّ المحاكاة، فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل و لكن مع منازعة الخيال، و إذا ذكر التشبيه معه أدركه العقل مع معاونة الخيال، و لا شكّ أنّ الثاني يكون أكمل. و إذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان و الإيضاح، وجب ذكره في الكتاب الّذي أنزل تبيانا لكلّ شيء[٢].
و قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: اتّفق العقلاء على أنّ التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، و نقلت عن صورها الأصليّة إلى صورة التمثيل، كساها ابّهة، و كسبها منقبة، و رفع من أقدارها، و شبّ من نارها، و ضاعف قواها في تحريك النفوس لها، و دعا القلوب إليها، و استنار لها من أقاصي الأفئدة صبابة و كلفا، و قسر الطباع على أن تعطيها محبة و شغفا.
[١] راجع: في ظلال القرآن ١: ٥٨- ٦١.
[٢] تفسير غرائب القرآن للنيشابوري بهامش الطبري ١: ١٩٩- ٢٠٠.