التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٥ - سورة البقرة(٢) آية ١٨
بِالْهُدى و ذلك أنّ اليهود وجدوا نعت محمّد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في التوراة قبل أن يبعث فآمنوا به و ظنّوا أنّه من ولد إسحاق عليه السّلام فلمّا بعث محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من العرب من ولد إسماعيل عليه السّلام كفروا به حسدا، و اشتروا الضلالة بالهدى، يقول: باعوا الهدى الّذي كانوا فيه من الإيمان بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل أن يبعث، بالضلالة الّتي دخلوا فيها بعد ما بعث، من تكذيبهم بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فبئس التجارة! فذلك قوله- سبحانه-: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ من الضلالة[١].
[٢/ ٤٦٢] و قال أبو مسلم محمّد بن بحر الأصفهاني: المراد بالضلالة هنا: العذاب. و بالهدى:
طريق الثواب. يبيّنه قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ[٢].[٣]
قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
مثل ضربه اللّه، يبيّن مدى تعسّف المنافق في حياته المظلمة التعسة، إنّه يبتغي النور و الخلاص، و لكنّه نور ما يجده- و قد مهّده اللّه له و لكلّ مبتغي الهداية، بفضل رحمته الواسعة- إذا هو يقوم بما يعاكس مبتغاه، لفرط جهله و عتوّه و استكباره، فإذا هو في غياهب التيه و الضلالة، لا يبصر شيئا و لا يهتدي إلى سبيل نجاة، و ذلك أنّه أصمّ أذنه و أبكم منطقه و أعمى بصره، فتمادى في غيّه و ضلاله، فلا يمكنه بعد ذلك الرجوع إلى جادّة الهدى و وضح النور.
و إذا كانت الآذان و الألسنة و العيون، خلقت لتلقّي الأصداء و الأضواء و الاهتداء بمباهج الهدى و النور، فهؤلاء قد عطّلوا آذانهم فهم «صمّ» و عطّلوا ألسنتهم فهم «بكم» و عطّلوا عيونهم فهم «عمي»، فلا رجعة لهم إلى الحقّ. و لا أوبة لهم إلى الهدى، و لا هداية لهم إلى النور.
و من ثمّ فمثلهم كمثل من اتيحت له سبل السعادة و في ضوء مشاعل وهّاجة، و لكن من غير ما يمكنه الانتفاع بها و الاستنارة بأنوارها. فذهبت عنه أدراج الرّياح. فلم يغتنم الفرصة المناحة و أضاعها بسوء تدبيره.
[١] تفسير مقاتل ١: ١٦.
[٢] البقرة ٢: ١٧٥.
[٣] أبو الفتوح ١: ١٣١.