التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١ - ١ - الإيمان بالغيب
لرصد هذا المجال. و عابثة، لأنّها تبدّد طاقة العقل الّتي لم تخلق لمثل هذا المجال.
و متى سلّم العقل البشري بالبديهة العقليّة الأولى (بديهة الفطرة)، و هي: أنّ المحدود لا يدرك المطلق، لزمه- احتراما لمنطقه ذاته- أن يسلّم بأنّ إدراكه للمطلق مستحيل؛ و أنّ عدم إدراكه للمجهول، لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون؛ و أنّ عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل؛ و أن يتلقّى العلم في شأنه من العليم الخبير الّذي يحيط بالظاهر و الباطن، و الغيب و الشهود. و هذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن، هو الّذي يتحلّى به المؤمنون، و هو الصفة الأولى من صفات المتّقين.
لقد كان الإيمان بالغيب، هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان من عالم البهيمة. و لكن جماعة المادّيّين في هذا الزمان، كجماعة المادّيّين في كلّ زمان، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى إلى عالم البهيمة الّذي لا وجود فيه لغير المحسوس! و يسمّون هذا «تقدّميّة» و هو النكسة الّتي وقى اللّه المؤمنين إيّاها، فجعل صفتهم المميّزة، صفة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ و الحمد للّه على نعمائه، و النكسة للمنتكسين و المرتكسين[١].
*** [٢/ ٩٣] و هكذا قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في وصف أهل الضلال: «و لا يؤمنون بغيب، و لا يعفّون عن عيب».
فقد رتّب عليه السّلام عدم عفّهم عن الرذائل، على رفضهم الإيمان بالغيب، فأصبحوا منطلقين في الشهوات غير آبهين و لا مكترثين.
قال عليه السّلام- تعقيبا على ذلك-: «يعملون في الشبهات، و يسيرون في الشهوات. المعروف فيهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، و تعويلهم في المهمّات على آرائهم، كأنّ كلّ امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات و أسباب محكمات»[٢].
[٢/ ٩٤] و كذلك روي عن ابن مسعود و جماعة من الصحابة- رضوان اللّه عليهم-: أنّ الغيب هو ما غاب عن العباد علمه. قال الطبرسي: و هذا أولى لعمومه.[٣]
[١] في ضلال القرآن ١: ٤٢- ٤٣ مع تصرّف يسير.
[٢] نهج البلاغة ١: ١٥٦، الخطبة: ٨٨.
[٣] مجمع البيان ١: ٨٦.