التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٩ - في حقيقة الإيمان
في حقيقة الإيمان
الإيمان- في حقيقته- هو الإيقان عن عقد قلب، بحيث أوجب ارتياح النفس إليه و الاطمئنان به عن صدق و إخلاص، و باعثا مباشرا على العمل بمقتضاه عن جدّ و اجتهاد، من غير حاجة إلى بعث خارجيّ أو زاجر من خارج النفس.
كمن أيقن بحضور محبوبه أو ضالّته المنشودة لدى الباب، فيعمد لفوره لمقابلته برحابة من الصدر، و التماس أعتابه بكلّ خضوع و إجلال، من غير حاجة إلى بعث من خارج نفسه. و هكذا من أيقن بوجود عدوّ ضارّ قد كمن له في الطريق، فيحاول لحينه الفرار أو مقابلته بما يطمئنّ بالغلبة عليه.
هذا هو الإيمان الصادق و الإيقان عن إخلاص. و من ثمّ فيكون الإيمان بذاته باعثا مباشرا على العمل، و يكون العمل الجادّ، كاشفا حقّا عن محض الإيمان، لا أنّه هو و لا كونه جزءا من ماهيّته و حقيقته، بل لازمه المباشر الكاشف عنه.
فما ورد من أنّ الإيمان هو الاعتقاد بالجنان و العمل بالأركان و القول باللسان، فهو بيان لأسّ الإيمان مع الكاشف عنه، حسب المتعارف المعهود.
و ما ورد من استعمال اللفظة في القرآن، يدلّ على هذا التفكيك، و أنّ العمل لازم الإيمان و منبعث عنه و ليس متّحدا معه لا مفهوما و لا مصداقا. و في كثير من الآيات جاء الحثّ على الإيمان و العمل الصالح توأمين: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً[١]. و أنّ الإيمان بلا عمل، كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً[٢]. لأنّ العمل أثر ملازم للإيمان، و إذا فقد الأثر، كان دليلا على فقدان صاحب الأثر. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ[٣] يعني: إن صحّ أنّكم آمنتم، فليكن دليلا على صدق الإيمان، هو استجابة الرسول فيما يدعوكم إليه، من العمل بمقتضى الإيمان. و هكذا قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا[٤]، أي يا أيّها الّذين آمنوا بإظهار الشهادتين، فليكن إظهاركم هذا نابعا عن عقد قلب باعث على العمل بمقتضاه.
[١] المائدة ٥: ٦٩.
[٢] النور ٢٤: ٣٩.
[٣] الأنفال ٨: ٢٤.
[٤] النساء ٤: ١٣٦.