التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧١ - كلام عن ضرب الأمثال في القرآن
الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ[١]-: و الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته و مجموعه، تصوير عظمته و التوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة و لا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز. و كذلك حكم ما يروى أنّ حبرا[٢] جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: يا أبا القاسم، إنّ اللّه يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع و الأرضين و الجبال على إصبع و الشجر على إصبع و سائر الخلق على إصبع، ثمّ يهزّهنّ فيقول: أنا الملك! فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تعجّبا ممّا قال ...
قال: و إنّما ضحك أفصح العرب و تعجّب، لأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يفهم منه إلّا ما يفهمه علماء البيان، من غير تصوّر إمساك و لا إصبع و لا هزّ و لا شيء من ذلك، و لكن فهمه وقع أوّل شيء و آخره على الزبدة و الخلاصة، الّتي هي الدلالة على القدرة الباهرة، و أنّ الأفعال العظام الّتي تتحيّر فيها الأفهام و الأذهان و لا تكتنهها الأوهام، هيّنة عليه هوانا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه، إلّا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل. و لا ترى بابا في علم البيان أدقّ و لا أرقّ و لا ألطف من هذا الباب و لا أنفع و لا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام اللّه تعالى في القرآن و سائر الكتب السماويّة و كلام الأنبياء، فإنّ أكثره و عليّته تخييلات قد زلّت فيها الأقدام قديما و ما أتى الزالّون إلّا من قلّة عنايتهم بالبحث و التنقير حتّى يعلموا أنّ في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدّروه حقّ قدره، لما خفي عليهم أنّ العلوم كلّها مفتقرة إليه و عيال عليه، إذ لا يحلّ عقدها المورّبة و لا يفكّ قيودها المكربة إلّا هو.
قال: و كم من آية من آيات التنزيل و حديث من أحاديث الرسول، قد ضيم و سيم الخسف بالتأويلات الغثّة و الوجوه الرثّة، لأنّ من تأوّل ليس من هذا العلم في عير و لا نفير، و لا يعرف قبيلا منه من دبير[٣].
و عليه فالتمثيل في الكلام ضرب من الخيال جاء لبيان واقع الحال، ترسيما و تجسيدا له في
[١] الزمر ٣٩: ٦٧.
[٢] في الكشّاف:« جبرائيل» و هو تصحيف. و الصحيح ما أثبتناه وفق ما في صحيح البخاري و غيره من كتب الحديث و التفسير. راجع: ابن كثير ٤: ٦٢.
[٣] الكشّاف ٤: ١٤٢- ١٤٣.