التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٠ - نظرة في أخبار الطينة
طينة علّيّين أو من طينة سجّين، كناية عن اختلاف الناس في مآربهم و مشاربهم، فمنهم من يؤول في مساعيه في الحياة إلى درجات على، و منهم من يؤول إلى دركات سفلى. كأنّ الأوّلين خلقوا من علّيّين، حيث تحنّ نفوسهم إليه، و الآخرين خلقوا من سجّين، حيث تحنّ نفوسهم إليه، لأنّ الشيء تحنّ إلى أصله و منشائه ... و هذا من التشبيه البليغ، نظير قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ[١] أي مطبوع على الاستعجال كأنّه مجبول عليه و قد فطر عليه، قال تعالى: وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا[٢].
و هذا لأنّ الإنسان، بنهمه و حرصه المفرط، يرى كأنّه قد عجنت فطرته بعنصر العجلة، فيلهف نحو ما يريد من غير هوادة ...
و هكذا الناس في أشكالهم و أنحائهم متفاوتون، فبعض يسعى نحو الخير بكلّ همّته، كأنّه من جبلّة ذاته. و آخر يهتمّ بالشرّ كأنّه من صميم فطرته و إذ كان البناء على التشبيه و التمثيل محضا، فلا موجب لتداعي القول باستلزام الجبر و سلب الاختيار.
قال الزمخشري: إذا كان الإنسان خلق من عجل و كان في فطرته عجولا، فما وجه ردعه عن الاستعجال، أ ليس هذا من تكليف ما لا يطاق؟
قال: كلّا، و هذا نظير ما ركّب فيه الشهوة و أمره أن يغلبها، حيث أعطاه القدرة على كبحها و تسخيرها في مآربه الصالحة و أن لا يرتكب بها الفساد[٣].
*** و هناك تأويل لعلّه أسدّ، و هو أنّ تلك التعابير كناية عن تمهيدات تتّخذ بشأن كلّ من المؤمنين و الفاسقين، فمن علم اللّه منه الخير و الصلاح، مهّد له السبل إلى بلوغ كماله، و من علم منه الشرّ و الفساد، مهّد له أرضيّة البلوغ إلى مآربه. ذلك لأنّه تعالى هو مسبّب الأسباب، و لو لا إرادته تعالى (أي الإذن منه تعالى) لم يقع شيء، وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[٤]، أي لا تستطيعون فعل شيء، إلّا
[١] الأنبياء ٢١: ٣٧.
[٢] الإسراء ١٧: ١١.
[٣] تفسير الكشّاف ٣: ١١٧ بتوضيح.
[٤] الإنسان ٧٦: ٣٠. و في سورة التكوير ٨١: ٢٩: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي هذه المشيئة التابعة لمشيئة العبد، إنّما هي عن مقتضى تدبير عالم الخلق، ليقع ما يشاؤه العباد وفق مرادهم، تحقيقا لمبدأ الاختيار في أفعال العباد.