التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٨ - نظرة في أخبار الطينة
(الثامن) إنّ اللّه سبحانه و تعالى لمّا خلق الأرواح قبل خلق الأبدان في عالم الذرّ، و كلّفها بتكليف حين تجرّدها، أجّج لها نارا و أمرها بالدخول إليها و الاقتحام فيها، فامتثل بعضها و بادر إلى الإطاعة فكانت عليه بردا و سلاما، و أبى بعضها و لم يمتثل فندم و خسر، ثمّ طلب الرجوع مرّة أخرى فأبى و لم يمتثل أيضا، فقامت هناك الحجّة و ثبتت المحجّة، و تحقّق الإيمان و الكفر بالإطاعة و العصيان، قبل استقرار الأرواح في الأبدان، و وقع معلوم اللّه تعالى مطابقا لعلمه، فخلق تعالى للأرواح المطيعة مسكنا مناسبا لها و هو البدن من طينة علّيّين، و خلق للأرواح العاصية مسكنا من طينة سجّين، كما خلق تعالى للمؤمن جنّة و للكافر نارا و ذلك ليستقرّ كلّ واحد فيما يناسبه، و يعود كلّ جزء إلى كلّه و كلّ فرع إلى أصله، فظهر أنّ الخلق من الطينتين تابع للإيمان و الكفر و مسبّب عن العمل دون العكس، فلا يلزم الجبر و لا ينافي الاختيار. أ لا ترى أنّ اللّه تعالى لمّا علم أنّ بين النبيّين و المؤمنين اتصالا من وجه و انفصالا من وجه آخر، لأنّ المؤمنين يوافقونهم في العقائد و يخالفونهم أحيانا في الأعمال، لصدور المعصية منهم، خلق قلوب المؤمنين من طينة النبيّين، و خلق أبدانهم من دون ذلك، لانحطاط درجتهم و شرفهم، فوضع كلّا في درجته. و إنّك إذا قرّرت لعبدك المطيع بيتا شريفا و لعبدك العاصي بيتا و ضيعا، صحّ ذلك عقلا و شرعا و لا يصفك عاقل بالظلم و الجور، إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه، و هو يلزم لو انعكس الأمر، أو وقع التساوي، فبان أنّ الخلق من طينتين علّيّين و سجّين تابع للطاعة و المعصية و الإيمان و الكفر دون العكس[١].
*** و لسيّدنا العلّامة الطباطبائي توجيه لطيف لهذه الأخبار، أوجز فيه الكلام في إجمال بليغ، قال:
قد استفاضت الأخبار بأنّ اللّه تعالى خلق السعداء من طينه علّيّين (من الجنّة) و خلق الأشقياء من طينة سجّين (من النار) و كلّ يؤول إلى حكم طينته من السعادة أو الشقاء.
و قد أورد عليها: أوّلا بمخالفة الكتاب. و ثانيا باستلزام الجبر الباطل،
أما البحث الأوّل فقد قال اللّه تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ[٢]. و قال: وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ
[١] مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار ١: ١١- ١٤.
[٢] الأنعام ٦: ٢.