التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٠ - حديث التحدي
وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَ لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
هي ألوان من النعيم من ثمار نكهة و ازواج مطهّرة و جنّات زاهرة و عيون جارية. جاءت متشابهة. هي بظاهرها تشبه نعيم الدنيا في زهرتها. و لكنّها تشابهت عليهم. فهناك الفارق كبير.
و اللذائذ هناك تفترق عن لذائذ الدنيا بكثير. إذ لا تنقصها عيب و لا تنغض الالتذاذ بها خوف الفساد و الزوال. و هم فيها خالدون. ينالها من لذّة دائمة و عيش هنيء ينعم بها أولو النهى و أصحاب العقول الراجحة. و يحرم عنها المتشاكسون.
و بعد فينبغي بنا و نحن على أهبة عرض أحاديث الباب، أن نقدّم بحثا موجزا عن مسألة التحدّي مع إلمامة بوجوه إعجاز القرآن، و نوكل التفصيل إلى مباحثنا عن الإعجاز في التمهيد.
حديث التحدّي
حديث التحدّي حديث طريف مذيّل كثر الكلام فيه من نواحي شتّى، و قد بحثنا عنها في مجال مسبق[١]. و بقي أن نتحدّث هنا عن ترتيبها حسب النزول، ممّا أجملنا الكلام فيه هناك.
لا شكّ أنّ التحدّي نحو مقارعة مع الخصم العنود، إظهارا لعجزه و ربما امتهانا بشأنه. فكان من الطبيعى أن يقع التحدّي من الأشدّ إلى الأخفّ، فقد تحدّاهم القرآن أوّلا لو أن يأتوا بحديث مثله[٢]، في مثل الحجم النازل منه[٣] و على كيفيّته الخاصّة البارعة.
ثمّ تنازل إلى عشر سور مثله مفتريات- كما زعموا-[٤]. و أخيرا تحدّاهم بما لو يأتون بسورة مثله[٥] و من مثله[٦].
هذا ما يقتضيه طبع القضيّة. غير أنّ هنا سؤالا، نظرا إلى أن سورة يونس الّتي وقع التحدّي فيها بسورة مثله، كان رقم نزولها: ٥١. قبل سورة هود الّتي وقع التحدّي فيها بعشر سور مثله، حيث رقم
[١] في الجزء الرابع من التمهيد. و سوف نلخّصها في نهاية الفصل.
[٢] في سورة الطور ٥٢: ٣٤. و رقم نزولها بمكة: ٤٥.
[٣] في حجم ٤٥ سورة كانت نازلة لحدّ ذاك الوقت.
[٤] في سورة هود ١١: ١٣. و رقم نزولها بمكة: ٥٢.
[٥] في سورة يونس ١٠: ٣٨. و رقم نزولها بمكة: ٥١.
[٦] البقرة ٢: ٢٣.