التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٣ - اختيار أبي جعفر الطبري
اختيار أبي جعفر الطبري
قال أبو جعفر: فهذا الخبر أوّله مخالف معناه معنى الرواية الّتي رويت عن ابن عبّاس من رواية الضحّاك الّتي قد قدّمنا ذكرها قبل، و موافق معنى آخره معناها؛ و ذلك أنّه ذكر في أوّله أنّ الملائكة سألت ربّها: ما ذاك الخليفة؟ حين قال لها: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فأجابها أنّه تكون له ذرّيّة يفسدون في الأرض و يتحاسدون و يقتل بعضهم بعضا. فقالت الملائكة حينئذ: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ؟ فكان قول الملائكة ما قالت من ذلك لربّها بعد إعلام اللّه إيّاها أنّ ذلك كائن من ذرّيّة الخليفة الّذي يجعله في الأرض، فذلك معنى خلاف أوّله معنى خبر الضحّاك الّذي ذكرناه.
و أمّا موافقته إيّاه في آخره، فهو قولهم في تأويل قوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّ بني آدم يفسدون في الأرض و يسفكون الدماء. و أنّ الملائكة قالت إذ قال لها ربّها ذلك، تبرّيا من علم الغيب: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. و هذا إذا تدبّره ذو الفهم، علم أنّ أوّله يفسد آخره، و أنّ آخره يبطل معنى أوّله؛ و ذلك أنّ اللّه- جلّ ثناؤه- إن كان أخبر الملائكة أنّ ذرّيّة الخليفة الّذي يجعله في الأرض تفسد فيها و تسفك الدماء، فقالت الملائكة لربّها: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمّن أخبرها اللّه عنه أنّه يفسد في الأرض و يسفك الدماء بمثل الّذي أخبرها عنهم ربّها، فيجوز أن يقال لها فيما طوي عنها من العلوم:
إن كنتم صادقين فيما علمتم بخبر اللّه إيّاكم أنّه كائن من الأمور، فأخبرتم به، فأخبرونا بالّذي قد طوى اللّه عنكم علمه، كما قد أخبرتمونا بالّذي قد أطلعكم اللّه عليه.
قال: بل ذلك خلف من التأويل، و دعوى على اللّه ما لا يجوز أن يكون له صفة. و أخشى أن يكون بعض نقلة هذا الخبر هو الّذي غلط على من رواه عنه من الصحابة، و أن يكون التأويل منهم كان على ذلك: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فيما ظننتم أنّكم أدركتموه من العلم بخبري إيّاكم أنّ بني آدم يفسدون في الأرض و يسفكون الدماء، حتّى استجزتم أن تقولوا: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ. فيكون التوبيخ حينئذ واقعا على ما ظنّوا أنّهم قد أدركوا بقول اللّه لهم: إنّه يكون له ذرّيّة يفسدون في الأرض و يسفكون الدماء، لا على إخبارهم بما أخبرهم اللّه به أنّه كائن.
و ذلك أن اللّه- جلّ ثناؤه- و إن كان أخبرهم عمّا يكون من بعض ذرّيّة خليفته في الأرض ما يكون