التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٤ - نظرة في أخبار الطينة
نمط من الأرواح و أبدانها فكانت الخلقة تابعة للفعلة- في سابق علمه تعالى- لا العكس حتّى يستلزم الجبر. الأمر الّذي لا يتنافى و أصل الاختيار في التكليف فلا جبر و لا ظلم، بل هو مقتضى الحكمة المتعالية[١].
و هذا الرأي قد استجاده المولى الشعراني، قال: و لنعم ما قال الفاضل محمّد صالح المازندراني: إنّ كلّا من الطينتين تابع للإيمان و الكفر و مسبّب عنهما لا العكس، لأنّ اللّه تعالى علم أنّ جماعة يؤمنون باختيارهم، سواء أ كانوا من طينة علّيّين أم من طينة سجّين، و لذلك خلق المؤمنين من علّيّين تشريفا لهم، و علم أنّ جماعة يكفرون باختيارهم و لو كانوا من طينة علّيّين، و لذلك خلقهم من سجّين، توهينا بهم. و بذلك تبيّن فساد توهّم أنّ الإيمان و صفات الكمال تابعة لطهارة الطينة، و أنّ الكفر و سمات الضلال تابعة لخبث الطينة. بل العكس هو الأولى و أنّ طينة الشرّ عارضة على الفطرة الأولى الّتي أرادها اللّه في الأزل[٢].
و المولى صالح المازندراني قرّب من وجه مراده بضرب مثال قال: إنّك إذا قرّرت لعبدك المطيع بيتا شريفا، و لعبدك المتمرّد بيتا وضيعا، استحسنك العقلاء و لا يصفونك بالجور و عدم الاعتدال. بل الجور كان لو تساويت بينهما، إذ قد وضعت شيئا في غير موقعه اللائق به.
و قال- في شرح قوله عليه السّلام: «إنّ اللّه خلق المؤمن من طينة الجنّة و خلق الكافر من طينة النار ...»-: إنّه تعالى لمّا علم في الأزل من المؤمن طاعته و من الكافر عصيانه، خلق كلّ واحد منهما في هذه النشأة ممّا يؤول إليه في النشأة الآخرة[٣].
*** و قريب منه ما ذكره العلّامة المجلسي عن بعضهم، قال: إنّ اللّه تعالى لمّا علم في الأزل، الأرواح الّتي تختار الإيمان باختيارها، و الّتي تختار العصيان باختيارها، سواء خلقوا من طينة علّيّين أو من طينة سجّين، فلمّا علم ذلك أعطى أبدان الأرواح الّتي علم أنّهم يختارون الإيمان، كيفيّة العلّيّين للمناسبة، و أعطى أبدان الأرواح الّتي علم أنّها تختار الكفر باختيارها، كيفيّة السجّين، من غير أن يكون للأمرين مدخل في اختيارهم الإيمان و الكفر ...[٤].
[١] المصدر: ٥.
[٢] راجع كلامه في التعليق على الوافي ٣: ٢٧، بتوضيح.
[٣] راجع: شرح اصول الكافي ٨: ٥.
[٤] مرآة العقول ٧: ٣.