التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٣ - سورة البقرة(٢) آية ١٢
صالح عن ابن عبّاس، قال: نزلت هذه الآية: وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ... في عبد اللّه بن أبيّ محتجّا به. و ذلك أنّهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال عبد اللّه لأصحابه: انظر كيف أدرأ هؤلاء السفهاء عنكم. فذهب و أخذ بيد أبي بكر فقال: مرحبا بسيّد بني تيم و ثاني رسول اللّه في الغار. ثمّ أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيّد بني عديّ. ثمّ أخذ بيد عليّ فقال:
مرحبا بابن عمّ رسول اللّه و ختنه و سيّد بني هاشم ما خلا رسول اللّه. فقال عليّ: «كفّ للّه و اتّق اللّه و لا تنافق، فإنّ المنافقين شرّ خليقة اللّه!»
فقال عبد اللّه: مهلا أبا الحسن، إليّ تقول هذا! و اللّه إنّ إيماننا كإيمانكم و تصديقنا كتصديقكم، ثمّ افترقوا.
فقال عبد اللّه لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت! فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت. فأثنوا عليه خيرا و قالوا: لا نزال معك ما عشت.
فرجع المسلمون إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أخبروه بذلك، فأنزل اللّه الآية[١].
قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ
هذه هي سمة المنافق، يحسب أنّه يحسن صنعا، و قد ضلّ سعيه في الحياة. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً[٢].
نعم أولئك هم: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً[٣].
هذا شأن المنافق، في فكرته الكاسدة، إنّه لا يقف عند حدّ الكذب و الخداع، بل يضيف إليهما السّفه و الادّعاء. وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد، بل تجاوزوه إلى التبجّح و التبرير: قالُوا- متأكّدين-: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ.
[١] الثعلبي ١: ١٥٥.
[٢] الكهف ١٨: ١٠٣- ١٠٥.
[٣] الكهف ١٨: ١٠١.