التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥١ - ملحوظة
و قيل إنّ الأرض الّتي ذكرها اللّه في هذه الآية هي مكّة. ذكر من قال ذلك:
[٢/ ٩٤٧] حدّثنا ابن حميد، بالإسناد عن ابن سابط أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «دحيت الأرض من مكّة.
و كانت الملائكة تطوف بالبيت، فهي أوّل من طاف به، و هي الأرض الّتي قال اللّه: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، و كان النبيّ[١] إذا هلك قومه و نجا هو و الصالحون أتى هو و من معه فعبدوا اللّه بها حتّى يموتوا، فإنّ قبر نوح و هود و صالح و شعيب بين زمزم و الركن و المقام»[٢].
و قال في تأويل قوله تعالى: خَلِيفَةً:
و الخليفة الفعيلة، من قولك: خلف فلان فلانا في هذا الأمر إذا قام مقامه فيه بعده، كما قال جلّ ثناؤه: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ[٣]. يعني بذلك: أنّه أبدلكم في الأرض منهم فجعلكم خلفاء بعدهم. و من ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة، لأنّه خلف الّذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفا، يقال منه: خلف الخليفة يخلف خلافة و خليفا.
[٢/ ٩٤٨] و كان محمّد بن إسحاق يقول بما حدّثنا به ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يقول: ساكنا و عامرا؛ يسكنها و يعمرها، خلفا ليس منكم.
و ليس الّذي قال ابن إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها، و إن كان اللّه- جلّ ثناؤه- إنّما أخبر ملائكته أنّه جاعل في الأرض خليفة يسكنها، و لكن معناها ما وصفت قبل[٤].
فإن قال لنا قائل: فما الّذي كان في الأرض قبل بني آدم لها عامرا فكان بنو آدم بدلا منه و فيها منه خلفا؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك.
[٢/ ٩٤٩] فحدّثنا أبو كريب، بالإسناد إلى ابن عبّاس، قال: أوّل من سكن الأرض الجنّ، فأفسدوا فيها، و سفكوا فيها الدماء، و قتل بعضهم بعضا. قال: فبعث اللّه إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم إبليس و من معه، حتّى ألحقهم بجزائر البحور و أطراف الجبال؛ ثمّ خلق آدم
[١] أي كلّ نبيّ من الأنبياء.
[٢] هذا الحديث مرسل، فاين سابط راوي الحديث تابعيّ لم يدرك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و لم يوجد هذا الحديث في أيّ من الصحاح.
[٣] يونس ١٠: ١٤.
[٤] الّذي ذكره ابن إسحاق في معنى الخليفة: هو الخلف منه تعالى، ليكون هذا المخلوق الجديد خليفة اللّه في الأرض. و أمّا الّذي اختاره ابن جرير فهو الخلف عن مخلوق قبل آدم، الجنّ أو النسناس، على ما ذكره الأخباريّون.