التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٤ - ملحوظة
إنّ قصّة الشجرة المحرّمة، و وسوسة الشيطان باللذّة، و نسيان العهد بالمعصية، و الصحوة من بعد السكرة، و الندم و طلب المغفرة. إنّها هي هي تجربة البشريّة المتجدّدة المكرورة! سيتعرّض لمثلها طويلا، استعدادا للمعركة الدائبة و موعظة و تحذيرا[١].
و بعد، فأين كان هذا الّذي كان؟ و ما الجنّة التي عاش فيها آدم و زوجه حينا من الزمن؟ و من هم الملائكة؟ و من هو إبليس؟. كيف قال اللّه تعالى لهم؟ و كيف أجابوه؟ ...
قال سيّد قطب: هذا و أمثاله في القرآن الكريم غيب من الغيب الذي استأثر اللّه تعالى بعلمه؛ و علم بحكمته أن لا جدوى للبشر في كنهه و طبيعته، فلم يهب لهم القدرة على إدراكه و الإحاطة به، بالأداة الّتي وهبهم إيّاها لخلافة الأرض، و ليس من مستلزمات الخلافة أن نطّلع على هذا الغيب.
و بقدر ما سخّر اللّه للإنسان من النواميس الكونيّة و عرّفه بأسرارها، بقدر ما حجب عنه أسرار الغيب فيما لا جدوى له في معرفته. و ما يزال الإنسان مثلا، على الرغم من كلّ ما فتح له من الأسرار الكونيّة، يجهل ما وراء اللحظة الحاضرة جهلا مطلقا، و لا يملك بأيّ أداة من أدوات المعرفة المتاحة له أن يعرف ما ذا سيحدث له بعد اللحظة و هل النفس الّذي خرج من فمه عائد أم هو آخر أنفاسه؟
و هذا مثل من الغيب المحجوب عن البشر، لأنّه لا يدخل في مقتضيات الخلافة، بل ربما كان معوّقا لها لو كشف للإنسان عنه؟ و هنالك ألوان من مثل هذه الأسرار المحجوبة عن الإنسان، في طيّ الغيب الّذي لا يعلمه إلّا اللّه.
و من ثمّ لم يعد للعقل البشري أن يخوض فيه، لأنّه لا يملك الوسيلة للوصول إلى شيء من أمره.
و كلّ جهد يبذل في هذه المحاولة هو جهد ضائع، ذاهب سدى، بلا ثمرة و لا جدوى.
و بعد فإذ كان العقل البشري لم يوهب الوسيلة للاطّلاع على مثل هذا الغيب المحجوب؛ فليس سبيله إذن أن يتبجّح فينكر. فالإنكار حكم يحتاج إلى المعرفة، و المعرفة هنا ليست من طبيعة العقل، و ليست في طوق وسائله، و لا هي ضروريّة له في وظيفته!
إنّ الاستسلام للوهم و الخرافة شديد الضرر بالغ الخطورة. و لكن أضرّ منه و أخطر، التنكّر للمجهول كلّه و إنكاره، و استبعاد الغيب لمجرّد عدم القدرة على الإحاطة به. إنّها تكون نكسة إلى عالم الحيوان الّذي يعيش في المحسوس وحده، و لا ينفذ من أسواره إلى الوجود الطليق.
[١] في ظلال القرآن ١: ٧٢.