التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٦ - اختيار أبي جعفر الطبري
الاخرى بشماله، ففلق الطين فلقتين فذرا من الأرض ذروا[١] و من السّماوات ذروا فقال للّذي بيمينه: منك الرّسل و الأنبياء و الأوصياء و الصدّيقون و المؤمنون و السعداء و من اريد كرامته، فوجب لهم ما قال كما قال. و قال للّذي بشماله: منك الجبّارون و المشركون و الكافرون و الطواغيت و من اريد هوانه و شقوته، فوجب لهم ما قال كما قال، ثمّ إنّ الطينتين خلطتا جميعا، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى[٢] فالحبّ طينة المؤمنين الّتي ألقى اللّه عليها محبّته و النوى طينة الكافرين الّذين نأوا عن كلّ خير و إنّما سمّي النوى من أجل أنّه نأى عن كلّ خير و تباعد عنه و قال اللّه عزّ و جلّ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ فالحيّ: المؤمن الّذي تخرج طينته من طينة الكافر و الميّت الّذي يخرج من الحيّ: هو الكافر الّذي يخرج من طينة المؤمن، فالحيّ: المؤمن، و الميّت: الكافر و ذلك قوله عزّ و جلّ: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ[٣] فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر و كان حياته حين فرّق اللّه- عزّ و جلّ- بينهما بكلمته كذلك يخرج اللّه- عزّ و جلّ- المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها إلى النور و يخرج الكافر من النّور إلى الظلمة بعد دخوله إلى النّور و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ»[٤].
[٢/ ١٠١٣] و بإسناده عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «لو علم الناس كيف ابتداء الخلق ما اختلف اثنان، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قبل أن يخلق الخلق قال: كن ماء عذبا أخلق منك جنّتي و أهل طاعتي و كن ملحا اجاجا أخلق منك ناري و أهل معصيتي ثمّ أمرهما فامتزجا، فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر و الكافر المؤمن ثمّ أخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فإذا هم كالذرّ يدبّون. فقال لأصحاب اليمين: إلى الجنّة بسلام و قال لأصحاب الشمال: إلى النار و لا ابالي، ثمّ أمر نارا فاسعرت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها، فهابوها، فقال لأصحاب اليمين:
ادخلوها فدخلوها، فقال: كوني بردا و سلاما فكانت بردا و سلاما، فقال أصحاب الشمال: يا ربّ أقلنا. فقال: قد أقلتكم فادخلوها، فذهبوا فهابوها، فثمّ ثبتت الطاعة و المعصية فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء؛ و لا هؤلاء من هؤلاء».
[١] الفلق: الشقّ و الفصل. و الذرو: الإذهاب و التفريق.
[٢] الأنعام ٦: ٩٥.
[٣] الأنعام ٦: ١٢٢.
[٤] يس ٣٦: ٧٠.