التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٠ - مسائل و دلائل
|
و ينمي لها حبّها عندنا |
فما قال من كاشح لم يضرّ |
|
أي فما قاله كاشح- و هو الّذي يضمر العداوة- لم يضرّ.
قال: و قال الفارسي في قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ: يجوز كون «من» الثانية و الثالثة زائدتين. فجوّز الزيادة في الإيجاب[١].
و قال الزمخشري: «من» الاولى لابتداء الغاية، و الثانية للتبعيض، و الثالثة للبيان. أو الاوليان للابتداء و الآخرة للتبعيض[٢]. فالمعنى على الأوّل: و ننزّل من السماء شيئا من الجبال الكائنة من البرد. و على الثاني: و ننزّل من السماء من جبال فيها شيئا من البرد. فقدّر المفعول به و لم يجعل «من» زائدة.
و الّذي ذكره الزمخشري أصحّ، لأنّ التقدير شائع في كلام العرب و لا سيّما مع معلوميّته كما هنا.
قال ابن مالك: «و حذف ما يعلم جائز». أمّا زيادة «من» في الإيجاب، فعلى فرض ثبوته فهو أمر شاذ، و لا يجوز حمل القرآن عليه.
و معنى الآية على ذلك: أنّه تعالى ينزّل من السّماء ماء من جبال فيها- هي السحب الركاميّة، و هي النوع الأهمّ من السحب، لأنّها قد تمتدّ عموديّا عبر ١٥ أو ٢٠ كيلومترا، فتصل إلى طبقات من الجوّ باردة جدّا تنخفض فيها درجة الحرارة إلى ٦٠ أو ٧٠ درجة مئوية تحت الصفر. و بذلك يتكوّن البرد (خيوط ثلجيّة) في أعالي تلك السحب-.
و قوله: «من برد» بيان لتكوّن تلك السحب الجباليّة (الركاميّة) و لو باعتبار قممها المتكوّن فيها الخيوط الثلجيّة (البرد).
و المعروف علميّا أنّ نموّ البرد في أعالي السحب الركاميّة يعطي انفصال شحنات أو طاقات كهربائيّة سالبة، و أنّه عند ما يتساقط داخل السحابة و يصل في قاعدتها إلى طبقات مرتفعة الحرارة فوق الصفر يذوب ذلك البرد أو يتميّع و يعطي انفصال شحنات كهربائيّة موجبة. و عند ما لا يقوى الهواء على عزل الشحنة السالبة العليا عن الشحنة الموجبة في أسفل يحدث التفريغ الكهربائي على هيئة برق. و ينجم عن التسخين الشديد المفاجئ الّذي يحدثه البرق أن يتمدّد الهواء فجأة و يتمزّق محدثا الرعد. و ما جلجلة الرعد إلّا عمليّة طبيعيّة بسبب سلسلة الانعكاسات الّتي تحدث
[١] مغني اللبيب لابن هشام ١: ٣٢٥، حرف الميم.
[٢] الكشّاف ٣: ٢٤٦.