التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٢ - ملحوظة
فأسكنه إيّاها، فلذلك قال: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
فعلى هذا القول، إنّي جاعل في الأرض خليفة من الجنّ يخلفونهم فيها فيسكنونها و يعمرونها.
[٢/ ٩٥٠] و حدّثني المثنّى بالإسناد إلى الربيع بن أنس في قوله: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الآية، قال: إنّ اللّه خلق الملائكة يوم الأربعاء، و خلق الجنّ يوم الخميس، و خلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجنّ، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء و كان الفساد في الأرض.
و قال آخرون في تأويل قوله: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أي خلفا يخلف بعضهم بعضا، و هم ولد آدم الّذين يخلفون أباهم آدم، و يخلف كلّ قرن منهم القرن الّذي سلف قبله.
و هذا قول حكي عن الحسن البصري، و نظير له ما:
[٢/ ٩٥١] حدّثنى به محمّد بن بشّار، بالإسناد إلى ابن سابط في قوله: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ قال: يعنون به بني آدم.
[٢/ ٩٥٢] و حدّثني يونس بالإسناد إلى ابن زيد، قال اللّه للملائكة: إنّي أريد أن أخلق في الأرض خلقا، و أجعل فيها خليفة، و ليس للّه يومئذ خلق إلّا الملائكة و الأرض ليس فيها خلق.
و هذا القول يحتمل ما حكي عن الحسن، و يحتمل أن يكون أراد ابن زيد أنّ اللّه أخبر الملائكة أنّه جاعل في الأرض خليفة له، يحكم فيها بين خلقه بحكمه، نظير ما:
[٢/ ٩٥٣] حدّثني به موسى بن هارون، بالإسناد إلى ابن مسعود، و عن ناس من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنّ اللّه جلّ ثناؤه قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا: ربّنا و ما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرّيّة يفسدون في الأرض و يتحاسدون و يقتل بعضهم بعضا.
فكان تأويل الآية على هذه الرواية الّتي ذكرناها عن ابن مسعود و ابن عبّاس: إنّي جاعل في الأرض خليفة منّي يخلفني في الحكم بين خلقي، و ذلك الخليفة هو آدم و من قام مقامه في طاعة اللّه و الحكم بالعدل بين خلقه.
و أمّا الإفساد و سفك الدماء بغير حقّها فمن غير خلفائه، و من غير آدم و من قام مقامه في عباد اللّه؛ لأنّهما[١] أخبرا أنّ اللّه- جلّ ثناؤه- قال لملائكته- إذ سألوه: ما ذاك الخليفة-: إنّه خليفة يكون
[١] أي ابن مسعود و ابن عبّاس.