التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠ - ١ - الإيمان بالغيب
اللّه و اليوم الآخر وَ قالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ[١].
و عليه فالإيمان بالغيب، و أنّ هناك وراء عالم الشهود عالما أرقى و أبقى كان أسّ الأسس لجميع العقائد الدينيّة، و الباعث الأوفى للاستسلام لوحي السماء.
و كما قال سيّد قطب: كان الإيمان بالغيب هو العتبة الأولى الّتي يجتازها الإنسان، فيرتقي من مرتبة الحيوان- الّذي لا يدرك سوى ما تدركه حواسّه- إلى مرتبة الإنسان الّذي يدرك أنّ الوجود أكبر و أشمل من ذلك الحيّز الصغير المحدّد.
قال: و هي نقلة بعيدة الأثر في تصوّر الإنسان لحقيقة الوجود كلّه، و لحقيقة وجوده الذاتي، و لحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، و في إحساسه بالكون و ما وراء الكون من قدرة و تدبير. كما أنّها بعيدة الأثر في حياته على الأرض؛ فليس من يعيش في الحيّز الصغير الّذي تدركه حواسّه، كمن يعيش في الكون الفسيح الّذي تدركه بديهته و بصيرته؛ و يتلقّى أصداءه و إيحاءاته في أطوائه و أعماقه، و يشعر أنّ مداه أوسع في الزمان و المكان من كلّ ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود، و أنّ وراء الكون ظاهره و خافية، حقيقة أكبر من الكون، هي الّتي صدر عنها، و استمدّ من وجودها وجوده. حقيقة الذات الإلهيّة الّتي لا تدركها الأبصار و لا تحيط بها العقول.
و عندئذ تصان الطاقة الفكريّة المحدودة المجال، عن التبدّد و التمزّق و الانشغال بما لم تخلق له، و ما لم توهب القدرة للإحاطة به، و ما لا يجدي شيئا أن تنفق فيه.
إنّ الطاقة الفكريّة الّتي وهبها الإنسان، وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض، فهي موكّلة بهذه الحياة الواقعة القريبة، تنظر فيها و تتعمّقها و تتقصّاها، و تعمل و تنتج، و تنمي هذه الحياة و تجمّلها، على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحيّة الّتي تتّصل مباشرة بالوجود كلّه و خالق الوجود، و على أن تدع للمجهول حصّته في الغيب الّذي لا تحيط به العقول.
فأمّا محاولة إدراك ما وراء الواقع، بالعقل المحدود الطاقة بحدود هذه الأرض و الحياة عليها، دون سند من الروح الملهم و البصيرة المفتوحة، و ترك حصة للغيب لا ترتادها العقول.
فهذه المحاولة محاولة فاشلة أوّلا، و محاولة عابثة أخيرا. فاشلة، لأنّها تستخدم أداة لم تخلق
[١] الأنعام ٦: ٢٩.