التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٣ - مسائل و دلائل
الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ. إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ[١].
و قال سبحانه: وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً. وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً[٢].
و قال عزّ من قائل: وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ[٣].
غير خفيّ أنّ الشهب و النيازك إنّما تحدث في الغلاف الغازي (الهواء) المحيط بالأرض وقاية لها، و قدّر سمكه بأكثر من ثلاثمائة كيلومتر. و ذلك على أثر سقوط أحجار هي أشلاء متناثرة في الفضاء المتبقّية من كواكب اندثرت تعوم عبر الفضاء، فإذا ما اقتربت من الأرض انجذبت إليها بسرعة هائلة ما بين ٥٠ و ٦٠ كيلومترا في الثانية، تخترق الهواء المحيط بالأرض، و لاحتكاكها الشديد بالهواء من جهة و لتأثير الغازات الهوائيّة من جهة اخرى تحترق و تلتهب شعلة نار لتتحوّل إلى ذرّات عالقة في الهواء مكوّنا منها الغبار الكوني. و هي في حال انقضاضها- و هي تشتعل نارا- ترى بصورة نجمة وهّاجة ذات ذنب مستطيل تدعى الشهب و النيازك.
فليست الشهب سوى أحجار ملتهبة في الهواء المحيط بالأرض، قريبة منها! فما وجه فرضها نجوما في السماء يرجم بها الشياطين الصاعدة إلى الملأ الأعلى؟!
لكن يجب أن نعلم قبل كلّ شيء أنّ التعابير القرآنيّة- و هي آخذة في الحديث عن كائنات ما وراء الطبيعة- ليس ينبغي الأخذ بظاهرها اللفظي، حيث الأفهام تقصر عن إدراك ما يفوق مستواها المادّي المحدود، و الألفاظ أيضا تضيق عن الإدلاء بتلك المفاهيم الرقيقة البعيدة عن متناول الحسّ.
و بتعبير اصطلاحي: إنّ الأفهام و كذا الألفاظ محدودة في إطار المادّة الكثيفة، فلا تنال المجرّدات الرقيقة.
و عليه، فكلّ تعبير جاء بهذا الشأن إنّما هو مجاز و استعارة و تمثيل بلا ريب.
فلا تحسب من الملأ الأعلى عالما يشبه عالمنا الأسفل، سوى أنّه واقع في مكان فوق أجواء
[١] الصافّات ٣٧: ٧- ١٠.
[٢] الجنّ ٧٢: ٨ و ٩.
[٣] الحجر ١٥: ١٦- ١٨.