التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٥ - مسائل و دلائل
فقلت: يا رسول اللّه، ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته»[١].
يقول تعالى في سورة الجنّ: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً- إلى قوله:- وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً. وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً[٢]. فهي حكاية عن حال حاضرة وجدتها الجنّ حينما بعث نبيّ الإسلام.
و بهذا يشير قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[٣]. و قوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً[٤].
نعم، كانت تلك بغية إبليس أن يتلاعب بوحي السماء و لكن في خيبة آيسة: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى (ظهور شريعته) أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[٥]. أي حاول إبليس الحئول دون بلوغ أمنيّة الأنبياء، فكان يندحر و يغلب الحقّ الباطل و تفشل دسائسه في نهاية المطاف.
أمّا عند ظهور الإسلام فقد خاب هو و جنوده نهائيّا و خسر هنالك المبطلون.
[٢/ ٩٣٠] قال الإمام الصادق عليه السّلام: «فلمّا ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حجب (إبليس) عن السبع السماوات و رميت الشياطين بالنجوم ...»[٦].
[٢/ ٩٣١] و في حديث الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه الصادق عليهم السّلام في جواب مساءلة اليهود:
«أنّ الجنّ كانوا يسترقون السمع قبل مبعث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فمنعت من أوان رسالته بالرجوم و انقضاض النجوم و بطلان [عمل] الكهنة و السحرة»[٧].
و هكذا حاول الشيخ الطنطاوي تأويل ظواهر التعابير الواردة في هذه الآيات إلى إرادة التمثيل، قال- ما ملخّصه-: إنّ العلوم الّتي عرفها الناس تراد لأمرين: إمّا لمعرفة الحقائق لإكمال
[١] نهج البلاغة ٢: ١٥٧- ١٥٨، الخطبة ١٩٢( الخطبة القاصعة).
[٢] الجنّ ٧٢: ١- ٩.
[٣] الحجر ١٥: ٩.
[٤] الفتح ٤٨: ٢٨.
[٥] الحجّ ٢٢: ٥٢.
[٦] الأمالي للصدوق: ٣٦٠/ ٤٤٤- ١، المجلس ٤٨؛ البحار ١٥: ٢٥٧/ ٩.
[٧] البحار ١٧: ٢٢٦/ ١، عن قرب الإسناد للحميري: ٣١٨.