التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - ٥ - الإيقان بالآخرة
و أصحابهم لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه و سلطانه ذُو انْتِقامٍ[١] من أهل معصيته.
و أنزلت أيضا في اليهود في هؤلاء النفر و ما يحسبون من المتشابه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ[٢].
فأمّا المحكمات فالآيات الثلاث اللّاتي في الأنعام: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... إلى قوله سبحانه: ... لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[٣] فهنّ محكمات و لم ينسخهنّ شيء من الكتاب، و إنّما سمّين أمّ الكتاب لأنّ تحريم هؤلاء الآيات في كلّ كتاب أنزله اللّه- عزّ و جلّ-.
وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ يعني الم، المص، الر، المر، شبّهت على هؤلاء النفر من اليهود، كم تملك هذه الأمّة من السنين فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يعني ميل عن الهدى و هم هؤلاء اليهود فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ يعني الكفر وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: يعني منتهى كم يملكون.
يقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ: يعني كم تملك هذه الأمّة من السنين وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يعني عبد اللّه بن سلام و أصحابه، يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ: يعني بالقرآن كلّه. كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ[٤]: يعني من كان له لبّ أو عقل.
ثمّ قال ابن سلام و أصحابه: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا كما أزغت قلوب اليهود بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى الإسلام وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
فآيتان من أوّل هذه السورة نزلتا في أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المهاجرين و الأنصار. و الآيتان اللّتان تليانهما نزلتا في مشركي العرب. و ثلاث عشرة آية في المنافقين من أهل التوراة[٥].
قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ
[٢/ ١٠٤] أخرج ابن جرير و الحاكم و صحّحه عن ابن مسعود الم حرف اسم اللّه، و الْكِتابُ القرآن، لا رَيْبَ لا شكّ فيه[٦].
[١] آل عمران ٣: ٤.
[٢] آل عمران ٣: ٧.
[٣] الأنعام ٦: ١٥١.
[٤] آل عمران ٣: ٧.
[٥] تفسير مقاتل ١: ٨٤- ٨٨.
[٦] الدرّ ١: ٦٠؛ الطبري ١: ١٤٤/ ٢٠٨؛ الحاكم ٢: ٢٦٠.