التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٤ - و أما التقديس
منها يستفاد القدس أي الطهارة[١].
قال أبو حامد الغزالي: القدّوس هو المنزّه عن كلّ وصف يدركه حسّ، أو يتصوّره خيال، أو يسبق إليه وهم، أو يختلج به ضمير، أو يقضي به تفكير.
قال: و لست أقول: منزّه عن العيوب و النقائص، فإنّ ذكر ذلك يكاد يقرب من ترك الأدب.
فليس من الأدب أن يقول القائل: ملك البلد ليس بحائك و لا حجّام فإنّه نفي الوجود، يكاد يوهم إمكان الوجود، و في ذلك الإيهام نقص.
بل أقول: القدّوس هو المنزّه عن كلّ وصف من أوصاف الكمال الّذي يظنّه أكثر الخلق كمالا.
لأنّ الخلق أوّلا نظروا إلى أنفسهم و عرفوا صفاتهم، و أدركوا انقسامها إلى ما هو كمال، و لكنّه في حقّهم، مثل علمهم و قدرتهم و سمعهم و بصرهم و كلامهم و إرادتهم و اختيارهم، و وضعوا هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني، و قالوا: إنّ هذه هي أسماء الكمال.
و إلى ما هو نقص في حقّهم، مثل جهلهم و عجزهم و عماهم و صممهم و خرسهم، فوضعوا بإزاء هذه المعاني هذه الألفاظ.
ثمّ كانت غايتهم في الثناء على اللّه تعالى و وصفه، أن وصفوه بما هو أوصاف كمالهم، من علم و قدرة و سمع و بصر و كلام، و أن نفوا عنه ما هو أوصاف نقصهم. و اللّه- سبحانه و تعالى- منزّه عن أوصاف كمالهم، كما أنّه منزّه عن أوصاف نقصهم، بل كلّ صفة تتصوّر للخلق، فهو منزّه و مقدّس عنها و عمّا يشبهها و يماثلها. و لو لا ورود الرخصة و الإذن بإطلاقها لم يجز إطلاق أكثرها- و قد شرح ذلك شرحا أوفى في المقدّمة الرابعة من مقدّمات الكتاب.
قال: قدس العبد في أن ينزّه إرادته و علمه. أمّا علمه، فينزّهه عن المتخيّلات و المحسوسات و الموهومات و كلّ ما يشاركه فيه البهائم من الإدراكات، بل يكون تردّد نظره و تطواف علمه حول الأمور الأزليّة الإلهيّة المنزّهة عن أن تقرب فتدرك بالحسّ، أو تبعد فتغيب عن الحسّ. بل يصير متجرّدا في نفسه عن المحسوسات و المتخيّلات كلّها، و يقتني من العلوم ما لو سلب آلة حسّه و تخيّله بقي ريّانا بالعلوم الشريفة، الكلّيّة، الإلهيّة، المتعلّقة بالمعلومات الأزليّة و الأبديّة، دون الشخصيّات المتغيّرة المستحيلة.
[١] المفردات: ٣٩٧. و هكذا ذكر ابن اسحاق الزجاجي في كتابه« اشتقاق أسماء اللّه»: ٢١٤.