التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٣ - ملحوظة
الّذي كان ينبغي له.
عندئذ تمّت التجربة: نسي آدم عهده و ضعف أمام الغواية. و عندئذ حقّت كلمة اللّه و تمّ قضاؤه:
وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ.
و كان هذا إيذانا بانطلاق المعركة في مجالها المقدّر لها، بين الشيطان و الإنسان، إلى آخر الزمان. و عليه فلا يزال الإنسان في كفاح دائم مع عوامل الشرّ طول مسيرته في الحياة. كما عليه أن يأخذه بجدّه فلا تتكرّر التجربة الأولى «لا يلدغ المؤمن [النابه] من جحر مرّتين».
و عندئذ نهض آدم من عثرته، بما ركّب في فطرته (من نباهة و ذكاء) و أدركته رحمة ربّه التي تدرك الإنسان دائما عند ما يثوب و يئوب إلى بارئه.
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
و تمّت كلمة اللّه الأخيرة و عهده الدائم مع آدم و ذرّيّته، عهد الاستخلاف في هذه الأرض، و شرط الفلاح فيها أو البوار:
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
نعم، انتقلت المعركة الخالدة إلى ميدانها الأصيل، و انطلقت من عقالها لا تهدأ لحظة و لا تفتر.
و عرف الإنسان في فجر البشريّة كيف ينتصر إذا شاء الانتصار، و كيف ينكسر إذا اختار لنفسه الخسار.
*** و هنا لا بدّ من عودة إلى مطالع القصّة: قصّة البشريّة الأولى:
لقد قال اللّه تعالى للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً و إذن فآدم مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى، ففيم إذن كانت تلك الشجرة المحرّمة؟ و فيم إذن كان بلاء آدم؟ و فيم إذن كان الهبوط إلى الأرض، و هو مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى؟
قال سيّد قطب: لعلّني ألمح أنّ هذه التجربة كانت تربية لهذا الخليفة و إعدادا، كانت إيقاظا للقوى المذخورة في كيانه، كانت تدريبا له على تلقّي الغواية، و تذوّق العاقبة، و تجرّع الندامة، و معرفة العدوّ، و الالتجاء بعد ذلك إلى الملاذ الأمين!