التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤١ - ملحوظة
و الأشخاص شيء اقتضته طبيعة الحياة البشريّة بالذات، و أساسها التفاهم و تبادل الأفكار، الأمر الّذي تنبو عنه حياة الملك و هو متجرّد عن هذه الملابسات. فما وجه التحدّي، بعد أن لم تعد حاجة إلى هذه الخاصيّة!؟
و هذا نظير ما إذا بعثنا مندوبا إلى بلاد الأرمن و علّمناه لغتهم، ثمّ تحدّينا به مندوبنا العربي المعدّ للذهاب إلى البلاد العربيّة، و قلنا له: إنّ مندوبنا ذاك يفضّل عليك بعلمه بلغة الأرمن دونك؟!
و أمّا على تفسيرنا للأسماء بمعرفة حقائق الكون و أسرار الطبيعة و القدرة على استكشافها و استنباط خباياها، بفضل استعداده الذاتي الّذي جبل عليه. فهذا يكون نظير ما لو بعثنا هيئة اكتشافيّة إلى مناطق صعبة أو إلى أجواء السماء للبحث عن الكوامن فيها. و هؤلاء يتحدّى بهم لمقام فضلهم و علمهم و قدرتهم على هذا التجوال العلمي الواسع الأرجاء.
*** و إذ قد تحقّق ذلك التفوّق الذاتي لهذا الكائن البشري، جاء دور اخضاع سائر الخلق له و تسخير الكائنات وفق إرادته. و بذلك تتجلّى في وجوده معنى الخلافة التي منحه اللّه إيّاها على وجه الأرض بأطباقها و أجوائها.
و في مقدّمتها القوى الفاعلة في تدبير العالم و تنظيم الحياة في الوجود كلّه بإذن اللّه.
وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ.
و السجود لآدم، خضوع له، حيث المسخّرات خاضعة لهذا الإنسان مدى الدهر.
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ.
و هنا تبتدئ خليقة الشرّ مجسّمة: عصيان الجليل سبحانه، و الاستكبار عن معرفة الفضل لأهله، و العزّة بالإثم و الاستغلاق للفهم. و بذلك تبيّن أنّ هناك قوى معارضة تعرقل سبيل الحياة في وجه هذا الكائن، يرأسها إبليس، حيث يحاول الغلبة على القوى العاملة في صالح الإنسان، ليحول دون بلوغ مآربه.
و هكذا الحياة تزدحم بمعارضات؛ هناك عوامل صالحة تعارضها آفات تعمل في الإفساد.
و على هذا الإنسان- الكائن العاقل المتفكّر المدبّر لشئون حياته- أن يخوض المعركة و يكافح المعارض و يقوم بعلاج حكيم.