التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٢ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
معايب الشعر أحيانا. غير أنّ للشعر جذبة و نغما يوجبان رواء الكلام و جمال البيان. ممّا يخصّ النظم المنسجم، دون النثر المبعثر المنتثر.
أمّا السجع فحدّث عن وفرة التكلّفات فيه و لا حرج. و إلّا فهو كلام جزل رصين.
جاء القرآن و وضع صياغته على النثر أوّلا، و لكن غير المبعثر، بل أضفى عليه بعض أقراء النظوم الشعريّة[١]، لكن لا بشكل مستوعب و متزمّت فيه بحيث يسلب طلاقة الكلام. فجمع بين الطلاقة و النغم في صياغة واحدة، الأمر الصعب الّذي استسهله القرآن.
هذا و لم يتغافل ما في مزايا السجع الرصين ليقتنيها، متجانبا عن التكلّفات الهجينة، و في القرآن من أنواع السجع البديع الشيء الكثير[٢].
هذا هو سرّ إعجاز القرآن، في جانب سبكه و أسلوبه الكلامي الجديد، جامعا بين مزايا النثر و الشعر و السجع، في صياغة فذّة فريدة، بعيدا عن معايب أنواع الكلام بأسرها جميعا. و العظمة للّه.
*** الوجه الثالث: نظامه الصوتي العجيب!
و هو جانب خطير من إعجاز القرآن البياني، لمسته العرب من أوّل يومها، فبهرتهم روعته و دهشتهم رنّته، فأخضعهم للاعتراف في نهاية المطاف بأنّه كلام يفوق طوع البشر و أنّه كلام اللّه!
إنّه جانب «اتّساق نظمه و تناسب نغمه» و إيقاعاته الموسيقيّة الساطية على الأحاسيس، و الآخذة بمجامع القلوب. و هذا الجمال التوقيعي للقرآن يبدو جليّا لكلّ من يستمع إلى آياته تتلى عليه، حتّى و لو كان من غير العرب، فكيف بالعرب أنفسهم.
و أوّل شيء تحسّه الآذان عند سماع القرآن هو ذا نظامه الصوتيّ البديع، الّذي قسّمت فيه الحركات و السكونات تقسيما متنوّعا و متوزّعا على الألحان الموسيقيّة الرقيقة، فينوّع و يجدّد نشاط السامع عند سماعه، و وزّعت في تضاعيفه حروف المدّ و الغنّة توزيعا بالقسط، يساعد على ترجيع الصوت به، و تهاوي النفس فيه آنا بعد آن، إلى أن يصل قمّتها في الفاصلة، فيجد عندها راحته الكبرى، على ما فصّله أساتذة الترتيل!
قال الأستاذ درّاز: و يجد الإنسان لذّة، بل و تعتريه نشوة إذا ما طرق سمعه جواهر حروف
[١] راجع: التمهيد ٥: ١٢٤.
[٢] المصدر: ١٢٧ و ٢١٨.