التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٤ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
إنّ مادّة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي في الأنغام الموسيقيّة، بسبب تنويع الصوت مدّا و غنّة ولينا و شدّة و ما يتهيّأ له من حركات مختلفة، و بمقدار ما يكسبه من الحدرة و الارتفاع و الاهتزاز ممّا هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى.
فلو اعتبرنا ذلك في تلاوة القرآن، لرأيناه أبلغ ما تبلغ إليه اللغات كلّها، في هزّ الشعور و استثارة الوجد النفسي. و من هذه الجهة تراه يغلب على طبع كلّ عربيّ أو عجميّ. و بذلك يؤوّل ما ورد من الحث على تحسين الصوت عند قراءة القرآن.
و ما هذه الفواصل الّتي تنتهي بها آيات القرآن إلّا صورا تامّة للأبعاد الّتي تنتهي بها جمل الموسيقى، و هي متّفقة مع آياتها في قرارات الصوت اتفاقا عجيبا يلائم نوع الصوت، و الوجه الّذي يساق عليه، بما ليس وراءه من العجب مذهب. و تراها أكثر ما تنتهي بالنون و الميم، و هما الحرفان الطبيعيّان في الموسيقى نفسها. أو المدّ، و هو كذلك طبيعيّ في القرآن[١].
قال ابن الأعرابي[٢]: كانت العرب تتغنّى بالركبانيّ[٣] إذا ركبت و إذا جلست في الأفنية و على أكثر أحوالها. فلمّا نزل القرآن أحبّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن تكون هجّيراهم[٤] بالقرآن مكان التغنّي بالركباني[٥].
قال الزمخشري: كانت هجّيرى العرب التغنّي بالركباني- و هو نشيد بالمدّ و التمطيط- إذا ركبوا الإبل، و إذا انبطحوا على الأرض، و إذا قعدوا في أفنيتهم، و في عامّة أحوالهم. فأحبّ الرسول أن تكون قراءة القرآن هجّيراهم. فقال ذلك. يعني قوله: ليس منّا من لم يضع القرآن موضع الركباني في اللهج به و الطرب عليه[٦].
قال الفيروزآبادي: غنّاه الشعر و غنّى به تغنية: تغنّى به.
[١] إعجاز القرآن للرافعي: ١٨٨ و ٢١٦. و راجع: التمهيد ٥: ١٤٦ و ١٤٧.
[٢] هو أبو عبد اللّه محمّد بن زياد الكوفي مولى بني هاشم أحد العلماء باللغة المشهورين بمعرفتها؛ كان يحضر مجلسه خلق كثير، و كان رأسا في الكلام الغريب، و ربما كان متقدّما على أبي عبيدة و الأصمعي في ذلك. كان ولادته في رجب سنة ١٥٠. توفّي في شعبان سنة ٢٣١.
[٣] هو نشيد بالمدّ و التمطيط.
[٤] هي زمزمة الغناء و رنّته.
[٥] النهاية لابن الأثير ٣: ٣٩١.
[٦] الفائق للزمخشري ٢: ٣٦ مادة: رثث.