التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٠ - كلام عن الهداية و الإضلال منه تعالى
كلام عن الهداية و الإضلال منه تعالى
جاء التعبير بالهداية و الإضلال ناسبا إليه تعالى في القرآن في مواضع فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[١]. ما تلك الهداية يمنحها من يشاء و يمنعها عمّن يشاء من عباده، و هو العزيز الغالب على أمره، الحكيم في حسن فعاله، لا يرتكب شططا وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً[٢]؟!
نعم كان الإضلال منه تعالى بمعنى الخذلان، أثرا مباشرا يلحق أولئك المعاندين ممّن تمادوا في الغيّ و الضلال، الّذين عرفوا الحقّ و لمسوا حقيقته بواقع فطرتهم الأولى، لكنّهم أنكروه مكابرة و طغيانا و لجّوا في العتوّ و العناد، فأصمّهم اللّه و أعمى أبصارهم.
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ[٣]. ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ. كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ. تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ[٤].
إذن كان ذلك الحرمان على اثر هذا الطغيان. أثرا مباشرا استدعاه لجاجهم في غياهب التيه و الفساد.
أمّا الّذين اهتدوا فزادهم اللّه هدى و آتاهم تقواهم[٥]. وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً[٦]. و هي عناية ربّانيّة تشمل أولئك الّذين اتّخذوا سبيل الرشد و جاهدوا في اللّه حقّ جهاده وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[٧].
و قد استوفينا البحث حول الهداية و الإضلال نسبتهما إلى اللّه سبحانه بما يتوافق مع عدله و حكمته تعالى، في مباحثنا عن متشابهات القرآن من التمهيد فراجع[٨].
[١] إبراهيم ١٤: ٤.
[٢] الكهف ١٨: ٤٩.
[٣] الصفّ ٦١: ٥.
[٤] المائدة ٥: ٧٨- ٨٠.
[٥] وفق الآية ١٧ من سورة محمّد ٤٧.
[٦] مريم ١٩: ٧٦.
[٧] العنكبوت ٢٩: ٦٩.
[٨] التمهيد ٣: ١٧٥- ٢٨٠.