التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٤ - التحدي في خطوات
التحدّي في خطوات
لقد تحدّى القرآن- في وقته- عامّة العرب، و هم أهل فصاحة و بيان. و ذلاقة لسان. و قد لمسوه بأناملهم فوجدوه صعبا على سهولته، و ممتنعا على مرونته. فحاولوا معارضته. و لكن لا بالكلام، لعجزهم عنه و ضحالة مقدرتهم تجاه شوكته. فعمدوا إلى مقارعته بالسيوف و بذل الأموال و النفوس، فلم يستطيعوا مقابلته في هذا الميدان أيضا. فباءوا بالفشل و الفضيحة مع الأبد.
و ربما كانوا بادئ ذي بدء استهانوا من شأنه حيث قولهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ[١].
و قالوا: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ[٢]. و قالوا: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ[٣]. و قالوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ[٤]. إلى أمثالها من تعابير تنمّ عن سخف أوهامهم.
و لكن سرعان ما تراجعوا عن مقابلته و انقلبوا صاغرين، و قد ملكتهم روعة هذا الكلام الخارق المعجز، و تحدّاهم في مراحل:
أوّلا: فليأتوا بحديث مثله كملا: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ[٥].
ثانيا: حدّد لهم لو يأتون بعشر سور مثله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ[٦].
ثالثا: امتهانا بشأنهم تنازل أن لو استطاعوا أن يأتوا بسورة واحدة: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ[٧].
و أخيرا حكم عليهم حكمه الباتّ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا[٨]: أن ليس باستطاعتهم ذلك مهما حاولوه و أعدّوا له و استعدّوا، لأنّه يفوق كلام البشر كافّة!!
[١] الأنفال ٨: ٣١.
[٢] المدثّر ٧٤: ٢٥.
[٣] النحل ١٦: ١٠٣.
[٤] الأنعام ٦: ٩١.
[٥] الطور ٥٢: ٣٣- ٣٤.
[٦] هود ١١: ١٣- ١٤.
[٧] يونس ١٠: ٣٨- ٣٩.
[٨] البقرة ٢: ٢٤.