التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٩ - نظرة في أخبار الطينة
طِينٍ[١]. فأفاد أنّ الإنسان مخلوق من طين. ثمّ قال تعالى: وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها[٢]. و قال: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها[٣]. فأفاد أنّ للإنسان غاية و نهاية من السعادة و الشقاء. و هو متّجه إليها، سائر نحوها. و قال تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ[٤] فأفاد أنّ ما ينتهي إليه أمر الإنسان من السعادة أو الشقاء هو ما كان عليه في بدء خلقه، و قد كان في بدء خلقه طينا فهذه الطينة طينة سعادة و طينة شقاء، و مآل أمر السعيد إلى الجنّة و مآل أمر الشقىّ إلى النار، فهما أوّلهما[٥] لكون الآخر هو الأوّل. و حينئذ صحّ أنّ السعداء خلقوا من طينة الجنّة، و الأشقياء خلقوا من طينة النار. قال تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ. كِتابٌ مَرْقُومٌ. يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ[٦]. و قال تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ. وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ[٧] و هي تشعر بأنّ علّيّين و سجّين هما ما ينتهي إليه أمر الأبرار و الفجّار من النعمة و العذاب فتدبّر.
و أما البحث الثاني و هو أنّ أخبار الطينة تستلزم أن تكون السعادة و الشقاء لازمتين حتميّتين للإنسان، و معه لا يكونان عن كسب و اختيار للإنسان و هو الجبر الباطل.
و الجواب أنّ اقتضاء الطينة للسعادة أو الشقاء ليس من قبل نفسها بل من قبل حكمه تعالى و قضائه و ما قضى من سعادة و شقاء، فيرجع الإشكال إلى سبق قضاء السعادة و الشقاء في حقّ الإنسان قبل أن يخلق، و أنّ ذلك يستلزم الجبر، و قد ذكرنا هذا الإشكال مع جوابه في باب المشيئة و الإرادة و حاصل الجواب: أنّ القضاء متعلّق بصدور الفعل عن اختيار العبد، فهو فعل اختياريّ في عين أنّه حتميّ الوقوع، و لم يتعلّق بالفعل سواء اختاره العبد أو لم يختر حتّى يلزم منه بطلان الاختيار و اللّه الهادي[٨].
و حاصل ما ذكره سيّدنا الطباطبائي و أشار إليه سائر الأعلام ممّن تقدّمه، هو: أنّ الخلقة من
[١] السجدة ٣٢: ٧.
[٢] البقرة ٢: ١٤٨.
[٣] الحديد ٥٧: ٢٢.
[٤] الأعراف ٧: ٢٩.
[٥] لأنّ الغاية ملحوظة من قبل. فالغاية أوّل في اللّحاظ و نهاية في المآل.
[٦] المطفّفين ٨٣: ١٨- ٢١.
[٧] المطفّفين ٨٣: ٧- ١٠.
[٨] راجع تعليقه على أصول الكافي ٢: ٢- ٣/ ٣.