التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٣ - سورة البقرة(٢) آية ٨
و لكنّنا حين نتجاوز نطاق الزمان و المكان، نجدها نموذجا مكرورا في أجيال البشريّة جميعا.
نجد هذا النوع من المنافقين من عليّة النّاس[١] الّذين لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحقّ بالإيمان الصادق، أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحقّ بالإنكار الصريح، و هم في الوقت ذاته يتّخذون لأنفسهم مكان الترفّع على جماهير الناس، و على تصوّرهم للأمور!
و هؤلاء قد اضطرّتهم المقادير على الإخضاع للجوّ الساطي، و لو ظاهريّا، فيدّعون الإيمان، و هم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين، و لكنّهم يحاولون خداع المؤمنين، و يظنّون في أنفسهم الذّكاء و الدّهاء و القدرة على خداع هؤلاء البسطاء، و لكن القرآن يصف حقيقة فعلتهم، فهم لا يخدعون المؤمنين، إنّما ينخدعون هم مغبّة غبائهم في تقدير الأمور.
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا يحاولون خداعهم في سفاهة من الرأي.
وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ، إنّهم في غفلة بحيث لا يشعرون أنّهم فضحوا أنفسهم و سقطوا في أيديهم، و يحسبون أنّهم الظافرون.
و في هذا النصّ و أمثاله- في القرآن- تقرير فخيم عن حقيقة كبيرة، هي أكبر دعامة يستند إليها المؤمنون طول حياتهم الإيمانية و طول مكافحتهم ضدّ الباطل. و هي حقيقة الصلة بين اللّه و بين المؤمنين حقّا. إنّه يجعل صفّهم صفّه، و أمرهم أمره، و شأنهم شأنه. يضمّهم سبحانه إليه، و يأخذهم في كنفه، و يجعل عدوّهم عدوّه، و ما يوجّه إليهم من مكر و دسائس، فهو موجّه إليه تعالى في حقيقته.
و هذا هو التفضّل العلويّ الكريم، التفضّل الّذي يرفع مقام المؤمنين إلى ذاك المستوى الرفيع، و الّذي يوحي بأنّ حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر و أكرم الحقائق، و الّذي يفيض على قلب المؤمن طمأنينة لا حدّ لها، و هو يرى ربّه الكريم يجعل قضيّته هي قضيّته، و معركته هي معركته، و يأخذه في صفّه و يرفعه إلى جواره الكريم .. فما ذا يكون العبيد و كيدهم الحقير!
و هو في ذات الوقت تهديد رعيب للّذين يحاولون المراوغة مع المؤمنين و إيقاع الكيد بهم.
تهديد بأنّ معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم، إنّما هي مع اللّه المقتدر الجبّار القهّار ذي القوّة المتين. و أنّهم إنّما يحاربون اللّه- علانية- حين يحاربون أولياءه- مراوغة- و إنّما يتصدّون لنقمة اللّه حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة.
[١] أي من طبقة الأشراف فيما حسبوا.