التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢١ الى ٢٥
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
إنّه نداء عامّ إلى كافّة البشريّة جمعاء، يدعوهم جميعا لعبادة ربّهم الّذي تفرّد بالخلق و الإيجاد.
و من ثمّ فوجب أن يتفرّد بالعبادة الخالصة. و لقد كان للعبادة هدف لعلّهم ينتهون إليه ليحقّقوه، و هو حصول التقوى في النفس و الالتزام و التعهّد في العمل في كافّة أنحاء الحياة.
*** و هنا يذكّرهم بمنسيّ نعمته- و هي ظاهرة في مرأى منهم و مسمع، فكيف بالخفيّ المحتاج إلى إمعان نظر- يذكّرهم ببركات الأرض تحتهم فراشا، و بركات السماء فوقهم بناء: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ... و هو تعبير يشي باليسير في حياة البشر على هذه الأرض، و في إعدادها لتكون لهم سكنا مريحا و ملجأ واقيا كالفراش. و الناس يتناسون هذا الفراش الممهّد لهم، لطول ما ألفوه.
وَ السَّماءَ بِناءً فيها متانة البناء و تنسيق البناء. و السماء ذات علاقة وثيقة بحياة الإنسان في الأرض و بسهولة هذه الحياة. هي بحرارتها وضوئها و جاذبيّة أجرامها و تناسقها و سائر النسب بين الأرض و أكناف السماء، كلّ ذلك تمهيد لقيام الحياة على الأرض و مساعدة عليها مساعدة بانتظام.
و الّتي من بركاتها إنزال الماء من السماء و إخراج الثمرات به:
وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ.
قد تكرّر ذكر إنزال الماء من السماء و إخراج الثمرات به، في مواضع شتّى من القرآن، في معرض التذكير بنعم اللّه الجسام و لا شكّ أنّ الماء النازل من السماء هو مادّة الحياة الرئيسيّة للأحياء في الأرض جميعا؛ فمنه تنشأ الحياة بكلّ أشكالها و درجاتها وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ[١].
و قصّة الماء في الأرض و دوره في حياة الناس، و توقّف الحياة عليه في كلّ صورها و أشكالها.
كلّ هذا ممّا لا يقبل المماحكة، و إنّما تكفي الإشارة إليه و التذكير به في مقام الدعوة إلى عبادة الخالق الرازق الوهّاب.
و في ذلك النداء تبرز كليّتان من كليّات التصوّر الإسلامي:
١- وحدة الخالق لكلّ الخلائق الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
٢- و وحدة الكون و تناسق وحداته و صداقته للحياة و للإنسان: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
[١] الأنبياء ٢٢: ٣٠.