التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٦ - بما ذا وقع التحدي؟
قائما بمجموع اللفظ و المحتوى: في إناقة لفظ و فخامة معنى، في جمال و بهاء.
و في التاريخ عبر تؤثر عن أناس حاولوا معارضة القرآن، لكنّهم أتوا بكلام لا يشبه القرآن و لا يشبه كلام أنفسهم، بل نزلوا إلى ضرب من السخف و التفاهة و فضحوا أنفسهم من غير دراية. فمن حدّثته نفسه أن يعيد هذه التجربة فلينظر في تلك العبر، و من لم يرعو فليصنع ما شاء. و من جرّب المجرّب حلّت به الندامة.
و من كانت عنده شبهة، زاعما أنّ في الناس من يستطيع الإتيان بمثله، فليراجع أدباء عصره و ليسألهم: هل يقدر أحد منهم على ذلك؟ فإن قالوا: نعم، لو نشاء لقلنا مثل هذا! فليقل لهم: هاتوا برهانكم و جرّبوا أنفسكم! و إن قالوا: لا طاقة لنا به، فليقل لهم: أيّ شيء أكبر شهادة على الإعجاز من الشهادة على العجز. و إنّ بضعة النفر الّذين انغضّوا إليه رءوسهم، باءوا بالخزي و الهوان و سحب التاريخ على آثارهم ذيل النسيان[١].
بما ذا وقع التحدّي؟
إنّما وقع التحدّي بفضيلة الكلام، و لها مقاييس بها يعرف ارتفاع شأن الكلام و انحطاطه، ممّا فصّله علماء البيان. و بها تتفاوت درجات الكلام و يقع بها التفاضل بين أنحائه من رفيع أو وضيع.
و قد أشار السكّاكي إلى طرف من تلكم المقاييس الّتي هي المعيار لارتفاع شأن الكلام وضعته، قال- بعد أن ذكر أنّ مقامات الكلام متفاوتة، و لكلّ كلمة مع صاحبتها مقام، و لكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام-: و ارتفاع شأن الكلام في الحسن و القبول، إنّما هو بمصادفته لما يليق به من هذه المقامات.
قال: فحسن الكلام تحلّيه بشيء من هذه المناسبات و الاعتبارات، بحسب المقتضيات، الّتي يفصّلها فنّ المعاني و البيان. قال: و البلاغة تتزايد حتّى تبلغ قمّتها و هو حدّ الإعجاز، الّذي لا يستطيع إنسان أن يبلغه، ما دام قيد الذهول و النسيان.
إذن فالتفاضل بين كلامين إنّما هو بهذه الاعتبارات و هي لا تحصى، و لا يمكن ملاحظتها أجمع لمن لم يحط علما بجوامع الأمور[٢].
[١] الجزء الرابع من التمهيد: ٣٢ و ٣٣.
[٢] التمهيد ٤: ٣٤.