التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠١ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
و لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنّه شعر. و اللّه إنّه لصادق، و إنّ خصومه لكاذبون[١].
و قال الأستاذ محمّد عبد اللّه درّاز: أسلوب القرآن لا يعكس نعومة أهل المدن و لا خشونة أهل البادية. وزن المقاطع في القرآن أكثر ممّا في النثر و أقلّ ممّا في الشعر. و إنّ نثره ينفرد ببعض الخصائص و الميزات، فالكلمات فيه مختارة، غير مبتذلة و لا مستهجنة، و لكنّها رفيعة رائعة معبّرة، الجمل فيها ركّبت بشكل رائع، حتّى أنّ أقلّ عدد من الكلمات يعبّر عن أوسع المعاني و أغزرها، إنّ تعابيره موجزة، و لكنّها مدهشة في وضوحها، حتّى أنّ أقلّ الناس حظّا من التعلّم يستطيع فهم القرآن دونما صعوبة، و هناك عمق و مرونة في القرآن ممّا يصلح أن يكون أساسا لمبادئ و قوانين العلوم و الآداب الإسلاميّة و مذاهب الفقه و فلسفة الإلهيّات[٢].
و بذلك نجد القرآن قد أبطل سجع الكهّان و طوابع الوثنيّة، و أضعف فنون الفخر و الاستعلاء و الهجاء، و طبع الحوار بطابع السماحة و إقامة الحجّة و البحث عن الدليل، و أحلّ الإيجاز محلّ الإسهاب، و الحكمة مكان الإطالة، و ترك في الأسلوب العربي الإسلامي طابعه الوسيط السمح، و أعطاه جزالة و سلاسة و عذوبة و روائا. ذلك أنّ القرآن رقّق القلوب، و أفسح مجال الفكر و النظر للعقول، و حرّر الإنسان من غياهب الجهل و العمى، و أطلق سراحه في ميادين الهدى و الرشاد.
و هكذا عمل القرآن في تثقيف الأجيال مدى الأعصار.
نعم كان لأنواع الكلام- عند العرب- من نثر و شعر و سجع، محاسن و مساوئ، فجاء القرآن ليجمع بين هذه الأنواع، في صياغة جديدة و سبك طريف. و استطاع مع ذلك، مجانبة المساوئ كلّها في أسلوب فذّ فريد.
و كان سرّ إعجازه الخارق، قد كمن وراء ذاك الجمع و هذا النبذ العجيبين. بعد أن لم يكن باستطاعة أحد أن يجمع بين مزايا أنواع الكلام في صياغة واحدة، و لا أن يتجانب المساوئ كلّها على الإطلاق، الأمر الّذي تغلّب عليه القرآن في براعة فائقة بهرت العقول و أذهلت النفوس.
نعم، من أهمّ محاسن النثر طلاقته، فلا يتقيّد صاحب الكلام بمراعاة وزن أو قافية، لتضطرّه إلى اقتراب ألفاظ قد لا تمسّ صميم المعنى ذاتيّا، و إنّما هي ضرورة شعريّة ألجأته إلى ذلك. و هذا من
[١] التمهيد ٥: ١١٩ و ١٢٠.
[٢] المصدر: ١٢١ و ١٢٢.