التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ٣٠ الى ٣٩
و تنويعها، و في تحقيق إرادة اللّه و ناموس الوجود في تطويرها و تنميتها و تعديلها على يد خليفة اللّه في أرضه. هذا الّذي قد يفسد أحيانا و قد يسفك الدماء، ليتمّ من وراء هذا الشرّ الجزئي المحدود خير أكبر و أشمل، خير النموّ و الرقيّ و الاكتمال، خير الحركة الهادمة البانية، خير المحاولة الدائبة الّتي لا تكفّ، و التطلّع الّذي لا يقف، و التغيير و التطوير في هذا الملك الكبير و الجوّ الفسيح.
عندئذ جاءهم القرار من العليم الخبير بكوامن الأمور: قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.
*** وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ...
و تبيينا لموضع آدم- هذا الكائن الجديد- من تحقيق تلك الخلافة المسجّلة باسمه و الّتي فضّلته على كثير من الخلق و جعلته في درجة أعلى من التبجيل و الإكرام، جاء دور تركيز فطرته على العلم و المعرفة بحقائق الأشياء، علما ذاتيّا ناشئا من جبلّته الّتي خلقه اللّه عليها، و بذلك فاق على الآفاق.
و الأسماء- كما تقدّم في تفسير البسملة- جمع اسم بمعنى السمة، ليكون العلم بالأسماء علما بسماتها و خصائصها و معرفة شاملة لحقائق الأشياء و الأسرار الكامنة في طبيعة الوجود.
فيستخرجها و يسخرها و يستخدمها في مآربه في الحياة. و بذلك تعمر الأرض و تزدهر معالمها مع الآباد.
و ها نحن أولاء نشهد طرفا من ذلك السرّ الإلهي العظيم الّذي أودعه اللّه هذا الكائن البشري، و هو يسلّمه مقاليد الخلافة و يسخّر له أفاق الأرض و أجواء السماء.
الأمر الّذي يقصر عن نيله الملائكة ذات الحياة الرتيبة و الوظيفة الجارية على منوال، إذ لم يعد لهم حاجة بتلك الخاصيّة و لا كانت هناك ضرورة تدعو إليه.
و من ثمّ لمّا عرضت الأسماء على الملائكة لم يعرفوها و لم يهتدوا إلى كنه معرفتها، و هنا جاء هذا الكائن الجديد ليقوم بدور التعليم و إبداء مقدرته الذاتيّة على سائر الخلق، فلم يكن من الملائكة سوى إبداء العجز و الاعتذار عمّا فرط منهم في ذلك المجال.