التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٨ - سورة البقرة(٢) الآيات ٣٠ الى ٣٩
إذن فقد وهب لهذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة و الاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى و طاقات و كنوز و خامات، و وهب من القوى الخفيّة ما يحقّق المشيئة الإلهيّة.
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها[١].
*** أمّا الحكمة في إعلام الملائكة بذلك فترجع إلى أدب سلطاني رفيع، يجعل من أعضاد النظام مواضع سرّه في مهامّ الأمور تعزيزا بجانبهم، ليجعلهم على إشراف من الأمر، دون أن يباغتوا فيحسّوا باحتقار.
و بمثل هذا الأدب الرفيع جاء في كتاب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام إلى أمراء جيشه:
[٢/ ٩٤٣] «فإنّ حقّا على الوالي أن لا يغيّره على رعيّته فضل ناله، و لا طول خصّ به- إلى أن يقول-: ألا و إنّ لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سرّا ... و لا أطوي دونكم أمرا»[٢].
و إذ لم يكن ذاك الإعلام سوى إكرام و تعزيز بجانبهم لا لغرض المشاورة معهم، فلم يكن هناك مجال لقولهم: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ.
و من ثمّ جاءهم الردع اللاذع: قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.
أمّا لما ذا بدت منهم تلك البادرة، و كيف علموا أنّ الإنسان سوف يقوم بالإفساد في الأرض إلى جنب الإصلاح فيها؟!
فلعلّه كان لديهم من شواهد الحال أو من إلهام البصيرة ما كشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق و من مقتضيات حياته على الأرض حياة اجتماعيّة تزدحم بمناوشات و مصادمات سوف تنتهي إلى مناورات و منافرات و بالتالي إلى مخاصمة و إفساد في الأرض.
ثمّ هم- بفطرة الملائكة البريئة الّتي لا تتصوّر إلّا الخير المطلق و إلّا السّلام الشامل- يرون التسبيح بحمد اللّه و التقديس له، هو وحده الغاية القصوى للوجود، و هو العلّة الأولى للخلق. و هو متحقّق بوجودهم هم، لا يعصون اللّه ما أمرهم و يعبدون اللّه لا يفترون.
نعم خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا في بناء هذه الأرض و عمارتها، و في ترقية الحياة
[١] هود ١١: ٦١. و راجع: في ظلال القرآن ١: ٦٦- ٦٨.
[٢] نهج البلاغة ٣: ٧٩، الكتاب ٥٠.