التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٨ - ما ذا نفقه من تسبيح الكائنات؟
الليل، و لا يجوز أن يكون معنى أمر اللّه- جلّ و عزّ- للجبال بالتأويب إلّا تعبّدا لها.
و كذلك قوله- جلّ و عزّ-: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ[١]. فسجود هذه المخلوقات عبادة منها لخالقها لا نفقهها عنها كما لا نفقه تسبيحها.
و كذلك قوله: وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ[٢]. و قد علم اللّه هبوطها من خشيته، و لم يعرّفنا ذلك، فنحن نؤمن بما أعلمنا و لا ندّعي بما لم نكلّف بأفهامنا من علم فعلها كيفيّة نحدّها[٣].
[٢/ ١٠٣٤] قال أبو زكريّا الفرّاء: حدّثني قيس بن الربيع عن عمّار الدهنيّ عن سعيد بن جبير قال:
«كلّ تسبيح في القرآن فهو صلاة، و كلّ سلطان حجّة، هذا لقوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[٤]. و هذا معنى قوله تعالى: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ[٥].
ما ذا نفقه من تسبيح الكائنات؟
قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[٦].
لو فسّرنا التسبيح- هنا- بدلالة ذوات الأشياء على بارئها الحكيم، كما قال الشاعر:
|
و في كلّ شيء له آية |
يدلّ على أنّه واحد |
|
فهذا لا يصحّ- في المراد من الآية- حتّى و لو كان المخاطب هم المشركين. إذ قد عرفت من كلام أبي إسحاق الزجّاج: أنّهم كانوا معترفين بالّذي خلق السماوات و الأرض و من فيهنّ. وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ[٧].
نعم لو فسّرنا التسبيح بالعبادة و السجود للّه، بمعنى الخضوع و الاستسلام لإرادته تعالى، كان
[١] الحجّ ٢٢: ١٨.
[٢] البقرة ٢: ٧٤.
[٣] تهذيب اللغة ٤: ١٩٧؛ اللسان ٢: ٤٧٢.
[٤] معاني القرآن للفرّاء ٢: ١٢٥. و الآية من سورة الإسراء ١٧: ٤٤.
[٥] النور ٢٤: ٤١.
[٦] الإسراء ١٧: ٤٤.
[٧] الزخرف ٤٣: ٩.