التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٦ - كلام عن التسبيح و التقديس
نعم، لو فسّرنا التسبيح بذلك انحلّت المشكلة تماما، حيث الكائنات برمّتها ذلولة تسلك سبل ربّها و الّتي جبلت عليها في تشخيص مسيرتها في عالم الوجود.
و من ثمّ نرى أنّ التسبيح في مثل هذه الآيات، يخلفه التعبير بالسجود، سجود الكائنات بأسرها للّه تعالى، فما هذا السجود إلّا تعبيرا آخر عن ذلك التسبيح!.
قال تعالى: وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ[١].
و قال: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ[٢].
و قال: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ. وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ. وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ. أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ[٣]
و قال: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ[٤].
و قال: وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَ الْمَلائِكَةُ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ[٥].
و إذا كانت الأظلة خاضعة لنظام و كذا الشمس و القمر و النجوم و الليل و النهار و كلّ شيء خلقه اللّه في هذا الكون، فهي جميعا ساجدة للّه تعالى و مسبّحة له تسبيحا في عبادة مستمرّة تدأب فيها من غير قصور و لا فتور.
إذن صحّ التعبير بالتسبيح- في مفهومه الحقيقي (الدءوب في العبادة)- عن سجود الكائنات بأسرها، أي خضوعها التامّ و استسلامها المحض، تجاه نواميس الطبيعة، لا تجور و لا تحور عن المنهج الّذي رسمته لها الطبيعة، وفق إرادة اللّه تعالى و سنته الجارية في الخلق. كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[٦]: كلّ ينتهج منهجه الّذي جبل عليه. كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ[٧].
[١] الرعد ١٣: ١٥.
[٢] الحجّ ٢٢: ١٨.
[٣] الرحمن ٥٥: ٥- ٨.
[٤] النحل ١٦: ٤٨.
[٥] النحل ١٦: ٤٩.
[٦] الأنبياء ٢١: ٣٣.
[٧] النور ٢٤: ٤١.